أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 24، 2026

مواقع فلسطينية في قائمة التراث الإنساني - اليونسكو

 

في خضم الأخبار المثقلة بالهموم والأحزان يأتي خبر مفرح: تم إدراج بلدة سبسطية في قائمة التراث العالمي، خلال اجتماع لجنة التراث العالمي في مدينة بوسان الكورية الجنوبية، وسط ترحيب فلسطيني واعتراض إسرائيلي على القرار ومبرراته التاريخية. وأهمية القرار أنه يأتي بعد سلسلة تدابير إسرائيلية إستيطانية للسيطرة على سبسطية وتحويلها إلى معلم إسرائيلي، وبعد منع الفلسطينيين من تنفيذ أية أعمال ترميم أو تجميل للمنطقة.. ونأمل أن نوظف القرار بشكل فعّال.

ومن المفيد التذكير بأن إدراج أي موقع على قائمة التراث الإنساني يأتي ضمن اتفاقية "التراث العالمي"، وهي أهم الاتفاقيات الدولية وأكثرها رواجا والتزاما، صادقت عليها 190 دولة، وتم اعتمادها منذ العام 1972 في التشريعات والقوانين الدولية  والوطنية في مختلف أنحاء العالم، من أجل حفظ وصون عناصر التراث العالمي على نحو فعّال. وتهدف الاتفاقية إلى حماية التراث المسجل كتراث عالمي وإظهار أهميته وتسليط الأنظار نحوه، ومعالجة ما يحيط به من أخطار. وتحدد هذه الاتفاقية واجبات الدول التي وقّعت عليها ودورها في حماية هذه المواقع والحفاظ عليها.

بعد انضمام فلسطين إلى اليونسكو، واعتراف الأخيرة بعضوية دولة فلسطين  الكاملة رسميا عام 2011، استطاعت  دولة فلسطين تحقيق العديد من الانجازات داخل أروقة اليونسكو، وسجلت العديد من المواقع على قائمة التراث العالمي وهي: مكان ولادة السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج - بيت لحم (2012)،  وفلسطين أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي لقرية بتير  (2014)، والبلدة القديمة والحرم الإبراهيمي في الخليل كتراث ثقافي فلسطيني معرض للخطر بسبب سياسات الاحتلال التهويدية  في البلدة القديمة في الخليل (2017). وأريحا القديمة/ تل السلطان، ودير القديسة هيلاريون في تل أمّر (2024). وكانت الأردن قد سجلت البلدة القديمة وأسوارها في القدس على لائحة التراث العالمي عام 1981.

. علما أن القائمة التمهيدية (المؤقتة) لفلسطين تضم 14 موقعا ثقافيا وطبيعيا سوف يتم تسجيلها لاحقا.

كما اعتمدت اليونسكو إدراج "فن التطريز الفلسطيني" في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وجاء الاعتماد بعد محاولات إسرائيلية لتوظيف الثوب والتطريز الفلسطيني كتراث "إسرائيلي" في مسابقة "ملكة جمال الكون 2021".

وحسب وزارة السياحة والآثار الفلسطينية بلع عدد المواقع الأثرية الرئيسية في الضفة الغربية وقطاع غزة، 944 موقعًا؛ وعدد المعالم الأثرية 10 آلاف معلم أثري؛ وهناك ما يزيد عن 350 نواة لمدينة وقرية تاريخية تضم ما يزيد عن 60 ألف مبنى تاريخيًا.

في هذا السياق، رفضت اليونسكو طلبات تقدمت بها إسرائيل لتسجيل أماكن فلسطينية بوصفها تراثا يهوديا، مثل "تل القاضي"، التي حاولت إسرائيل تسجيلها باسمها وفشلت، حين نجح الفلسطينيون في الدفاع عن حقهم فيها، ولكن إسرائيل نجحت في قضية تسجيل "كهوف بيت جبرين". وسبب ذلك إلى أن الطرف العربي أحيانا لا يقدم دلائل كافية تقنع اليونسكو.   

وقد اتبعت سلطات الاحتلال أساليبَ عدة في استهدافها المواقع والآثار التاريخية، مثل التقسيم (الحرم الإبراهيمي)، والسيطرة (متحف روكفلر، وقلعة القدس، وقلعة الفريديس شرق بيت لحم)، والتدمير والتجريف (حي المغاربة في القدس، وخربة أم الجمال في العيزرية)، أو منع إجراء عمليات الترميم (سبسطية)، وأيضا في الأحياء العربية في المدن الواقعة داخل الخط الأخضر، خاصة يافا، حيث تتبع سياسة صارمة وعنصرية، هدفها دفع المواطنين الفلسطينيين للهجرة، أو لإعادة هيكلة المدن والتجمعات السكنية المختلطة وفق معايير الفصل العنصري الإسرائيلي.

يُضاف إلى ما سبق، محاولات إسرائيل تدمير كل ما له علاقة بالتراث والثقافة الفلسطينية، بشكل ممنهج، وباستخدام القوة العسكرية، مثلا خلال انتفاضة الأقصى منذ عام 2000 هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي العديد من المباني التاريخية، باستخدام القنابل والصواريخ والجرافات، وظهر ذلك في اجتياحات البلدات القديمة لمدن نابلس والخليل، وحصار كنيسة المهد في بيت لحم، عندما دمرت مئات المواقع والمنازل والقصور التاريخية وبيوت العبادة الإسلامية والمسيحية التي تحمل بين طياتها ملامح العمارة الفلسطينية وأصالتها. كما قامت بتدمير وتفجير مبنى الإذاعة والتلفزيون في رام الله وفي غزة أكثر من مرة.

في اجتياحها بيروت 1982، دمرت مركز الأبحاث الفلسطيني، ونهبت محتوياته، وأرشيفه (ثم أعادته بعد سنوات ضمن صفقة تبادل أسرى مع منظمة التحرير). وفي العام 2018، قامت طائرات الاحتلال بقصف مبنى مؤسسة المسحال للثقافة والفنون بغزة، سبقه استهداف مبنى دار الكتب الوطنية بغزة.

في حربها العدوانية على غزة لم تستهدف إسرائيل البشر وحسب، بل عملت أيضاً على تدمير وتخريب كل ما يتصل بحياة الفلسطينيين، بما في ذلك التراث الثقافي والحضاري الفلسطيني، حيث استهدفت تدمير المواقع الأثرية، والمباني التاريخية والدينية من جوامع وكنائس، ومتاحف ومسارح ومكتبات، ومؤسسات ثقافية وأكاديمية بما فيها الجامعات، وتخريب المشهد الثقافي. فدمرت نحو 200 موقع أثري في القطاع. رغم حصولها على إحداثيات هذه المواقع الأثرية من اليونسكو التي طالبت إسرائيل بعدم استهدافها..

هذا التدمير جزء أصيل من أهداف الحرب؛ فهذه المؤسسات والصروح الحضارية والمواقع الأثرية الفلسطينية هي النقيض الأساس للرواية الصهيونية المزعومة للصراع؛ والتي أثبت الحفريات الأثرية تهافتها. فحرب الراوية هي جوهر الصراع الأساس.. والباقي مجرد تفاصيل وعوامل مساعدة.

الهدف من وراء كل ذلك التخريب هو القضاء على الذاكرة الفلسطينية، فهي تستهدف المكان بحد ذاته، وعلاقته بالناس، وبالماضي، والمستقبل.. تستهدف كل مكوناته وعناصره لتشويه معالمه أو إلغائها كلياً..

أراد العدو كل ذلك، فعله عن سبق الإصرار والترصد.. أراد محو المكان، وطمس معالمه، والقضاء على كل ما يتصل به من علاقات وتفاعلات وذاكرة وتاريخ.. حتى لا تعود غزة التي نعرفها.. وحتى لا يعود مجتمعها، وناسها.. إنها حرب عدوانية ممنهجة استهدفت الإنسان أولا.. وكل ما حوله..

وفي سياق محاربتها للفكر والثقافة والإبداع الفلسطيني نفذت إسرائيل سلسلة اغتيالات بحق كتّاب وأدباء ومفكرين فلسطينيين أبرزهم غسان كنفاني، وائل زعيتر، عبد الوهاب الكيالي، محمود الهمشري، عز الدين القلق، كمال ناصر، يوسف مبارك، نعيم خضر، حنا مقبل، ناجي العلي، ماجد أبو شرار، وغيرهم.. علما بأن هؤلاء لم يكونوا مسلحين، كان سلاحهم الفكر والكلمة والإبداع.. وكان شعارهم: بالدم نكتب لفلسطين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق