لم تكن الثورة
الفلسطينية شأنًا فلسطينيًا محضًا؛ بل كانت واحدة من أكثر تجارب التحرر الوطني
التي تجاوزت حدود الجغرافيا، ونظرًا إلى البعد القومي للقضية الفلسطينية، ومكانتها
العميقة في الوجدان والعقل العربي فقد تشكلت الثورة في فضاء عربي واسع، احتضنها
سياسياً وشعبياً وثقافياً، وشارك فيها آلاف العرب، بعضهم بالدعم والإسناد، وبعضهم
بالانخراط المباشر في صفوفها مقاتلين وكوادر ومثقفين وفنانين وإعلاميين.
ولهذا فإن تاريخ الثورة
لا يخص الشعب الفلسطيني وحده، بل هو جزء من تاريخ عربي مشترك؛ تاريخ شارك في صنعه
مقاتلون عرب ضحوا بحياتهم، ومثقفون حملوا الفكرة، وأدباء منحوا الثورة لغتها،
وفنانون قدموا أغنيتها وصورتها، وجماهير عربية رأت في فلسطين قضيتها ومرآة أحلامها
في التحرر والكرامة والاستقلال.
حفظت الكتب والمراجع
أسماء القيادات المشهورة، وبقيت أسماء آلاف المتطوعين العرب مجهولة، أو محفوظة في
ذاكرة التنظيمات التي انتموا إليها، تنتظر من يجمعها ويوثقها.
لم يكن دور الأشقاء
العرب مقتصراً على التعاطف أو الإسناد السياسي والدعم المالي، بل تجاوز ذلك إلى
توفير بيئة كاملة لنمو الثورة الفلسطينية وتطورها. ففي الخمسينيات والستينيات،
وفرت الكويت وسائر دول الخليج بيئة آمنة احتضنت الجاليات الفلسطينية، وأتاحت لها
التحرك السياسي والتنظيمي وعقد الاجتماعات وبناء العلاقات التي أسهمت في تهيئة
الظروف التي سبقت الانطلاقة.
في بيروت، صدرت نشرة "فلسطيننا"،
وهي من المنابر المبكرة التي نشرت فكر الثورة ومضامينها وأهدافها، وحثت الشبان على
الالتحاق بها. وفي سورية، وجد الفدائيون مساحة واسعة للعمل والتنظيم. وكان معسكر
الهامة من أبرز مواقع التدريب التي ارتبطت بتاريخ الثورة، كما فتحت المدن السورية
أبوابها أمام الفصائل الفلسطينية لإقامة المكاتب والمقرات، وتحولت سورية، في مرحلة
معينة، إلى إحدى أهم ساحات احتضان العمل الفلسطيني.
أما الأردن، فله خصوصية
استثنائية بحكم الجغرافيا والديموغرافيا والتداخل العميق بين الشعبين الفلسطيني
والأردني. كانت الأغوار قاعدة مهمة للعمل الفدائي، واحتضن أهلها المقاتلين، وعندما
اندلعت معركة الكرامة أسند الجيش الأردني الفدائيين بسلاح المدفعية والدبابات، بقيادة
الفريق مشهور حديثة.
أما لبنان، فكان من
أكثر البلدان التصاقاً بالثورة الفلسطينية. مثّل الجنوب الحاضنة الشعبية للمقاومة ودفع
أهله الثمن من أمنهم واقتصادهم ودماء أبنائهم. هناك، نشأت مناطق ارتبط اسمها بالوجود الفدائي، مثل "فتح لاند، و"الفاكهاني"،
وكانت بيروت مركزاً سياسياً وإعلامياً وثقافيًا للثورة، ومكانًا احتضن فصائل المقاومة
والصحافة والثقافة والفكر والفن. وفي سنوات الحرب الأهلية وقفت القوى الوطنية اللبنانية
إلى جانب القوات الفلسطينية في مواجهة القوى الانعزالية والاجتياحات الإسرائيلية. تكفي
الإشارة إلى قيادات وطنية مثل كمال جنبلاط، ومحسن إبراهيم، ومعروف سعد، وغيرهم من
الشخصيات والقوى التي رأت في القضية الفلسطينية جزءاً من معركة التحرر العربي، كما
كان حضور شخصيات دينية وفكرية لبنانية، مثل هاني فحص، تعبيراً عن اتساع التأييد
الشعبي والفكري للمقاومة الفلسطينية.
وعندما خرجت الثورة
الفلسطينية من بيروت عام 1982، لم ينتهِ حضورها العربي، ولم تجد نفسها بلا مكان.
انتقلت قيادة منظمة التحرير إلى تونس، التي تحولت إلى وطن ثانٍ وملاذاً للقيادة
الفلسطينية ومؤسسات المنظمة في مرحلة شديدة التعقيد. فيما واصلت دول عربية أخرى تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي،
واستضافت مصر والجزائر دورات للمجلس الوطني الفلسطيني.
منذ بدايات الثورة،
التحق بها أشقاء عرب من لبنان وسورية والأردن والعراق واليمن والكويت ومصر وغيرها.
بعضهم حمل السلاح، وبعضهم شارك في العمليات الفدائية، وبعضهم عمل في التنظيم
والإعلام والخدمات اللوجستية، ومنهم من استشهد أو وقع في الأسر. من الكويت التحق
الشيخ فهد الأحمد الصباح بصفوف حركة فتح وشارك في العمل الفدائي، ومن الأردن نايف
حواتمة، أحد أبرز قادة اليسار الفلسطيني وأمين عام الجبهة الديمقراطية، إلى جانب مئات
من أبناء الكرك والطفيلة والسلط وإربد ومعان الذين التحقوا بمختلف فصائل منظمة
التحرير.
من مصر الدكتور رؤوف نظمي ميخائيل (محجوب عمر)، وسمير
غطاس (محمد حمزة)، ومن العراق قيس السامرائي، أبرز القيادات العربية في صفوف اليسار الفلسطيني
والجبهة الديمقراطية، الذي ارتبط اسمه بالبرنامج المرحلي.
لم تكن البندقية وحدها
سلاح الثورة، فقد دخلت فلسطين إلى الأغنية العربية، وحضرت الثورة في الشعر
والموسيقى والمسرح والملصق واللوحة. وأسهم فنانون عرب في تحويل الثورة من حدث
سياسي وعسكري إلى حالة وجدانية وثقافية عابرة للحدود.
أجمل الأغاني
الوطنية والثورية التي ألهمت الثوار والمقاتلين وحرضت الجماهير قدمها فنانون عرب؛
من لبنان مارسيل خليفة وأحمد قعبور وجوليا بطرس، من مصر الشيخ إمام، ومن سورية
سميح شقير..
على الجبهة الثقافية والفكرية والأدبية والإعلامية كان
الحضور العربي مميزاً ووازناً؛ فقد تحولت الثورة الفلسطينية إلى قضية كبرى في الأدب
العربي الحديث، ووجد فيها كتاب وشعراء ومفكرون مجالًا للتعبير عن أسئلتهم حول
الحرية والمنفى والاحتلال والمقاومة والهزيمة والنصر. من الأردن برز مثقفون وكتّاب وشعراء منهم غالب هلسه، ونزيه
أبو نضال، وأمجد الناصر، وميشيل النمري، وتيسير سبول، ومؤنس الرزاز.. من لبنان
المفكر أنيس النقاش والشعراء خليل حاوي وشوقي بزيغ، من سورية كتب نزار قباني أجمل
قصائده في مديح فتح، وفي وصف حصار بيروت والخروج منها، كما قدم مخرجون سوريون أعمالا درامية مهمة عن الكفاح
الفلسطيني حولت القضية من حدث
سياسي إلى دراما إنسانية وفنية؛ المخرج هيثم
حقي قدم مسلسل "عز الدين القسام"، وحاتم علي أخرج "التغريبة
الفلسطينية"، وكان الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة هو من صمّم شعار "العاصفة". كما برز
ممدوح عدوان وسعد الله ونوس ممن كتبوا للمقاومة الفلسطينية وأسهموا في إعلامها
الثقافي.
في المدارس والجامعات،
وفي النقابات والأحزاب، وفي الصحافة والسينما والمسرح والأغنية، وفي المظاهرات
والمهرجانات والكتب والمقالات، ظلت فلسطين حاضرة، وجزءاً من الحياة اليومية للمواطن
العربي.
عند الحديث عن الدور العربي في الثورة، تبدو العلاقة معقدة ومتداخلة، حكمتها ظروف سياسية وعسكرية وإقليمية متغيرة، ولا يمكن اختزال الدور العربي في مواقف الحكومات وحدها؛ فعلاقة الثورة الفلسطينية بالأنظمة العربية مرت بمراحل من الدعم والاحتضان، لكنها عرفت أيضًا الخلاف والصدام والضغط والملاحقة، ووقعت صدامات دامية في بعض المراحل. وتلك كانت من أبرز عوامل ضعف الثورة وتراجعها وحالت دون انتصارها، وهذه التناقضات تجعل هذا التاريخ أكثر تعقيدًا ولا يمكن حصره في رواية أحادية بخط مستقيم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق