حين سألت
الذكاء الاصطناعي قبل سنتين عن خالد بن الوليد، أجاب بأنه "أمير سعودي، قاد
معركة أُحد وانتصر فيها على المسلمين، مهتم بالمسرح ويُعد من رواد الفن التكعيبي،
ويشغل حاليا منصب الرئيس التنفيذي لشركة الاستثمار القابضة..".
هذا كان
طبيعيا ومتوقعا، إذ كان الاستخدام العربي للذكاء الاصطناعي في بداياته، خاصة وأن
هذه التقنية تعتمد أساسا على ما هو متوفر من محتوى منشور على المواقع الإلكترونية
مجال البحث. ولأنها تطور نفسها بنفسها من خلال التفاعل مع الأسئلة والتغذية
الراجعة ومراكمتها.. ما حصل لاحقاً أن إجابات الذكاء الاصطناعي صارت أفضل بكثير،
بل بدرجة مذهلة.. وستكون أكثر إدهاشا مع مرور الوقت..
للتأكد سألت الذكاء الاصطناعي: ما رأيك باستخدام الذكاء
الاصطناعي في مجال الأدب والرواية؟ وهل يمكن تمييزه؟ فأجاب: "الأمور أصبحت
أكثر تعقيدًا مما كانت عليه قبل عامين. ففي بدايات النماذج اللغوية كان من السهل
تمييز النصوص التي يكتبها الذكاء الاصطناعي، أما اليوم فأصبح الأمر أصعب بكثير،
لكنه ليس مستحيلًا. يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة أدب جيد من
الناحية اللغوية، وأن يقلد أساليب كبار الكتّاب، وأن يبني حبكات وشخصيات وحوارات
مقنعة، وأن ينتج رواية كاملة متماسكة إذا وُجِّه بصورة احترافية. لكن هناك
فرقًا بين النص الجيد والأدب الكبير.. وإذا كانت الرواية مولدة بالكامل، فإن القارئ
الخبير يلاحظ أمورًا مثل: لغة متقنة أكثر من اللازم، تخلو من العثرات البشرية. تشبيهات
جميلة لكنها متوقعة ومتكررة. شخصيات تتحدث جميعها بصوت واحد. غياب التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها إلا من عاشها. حبكة منطقية
جدًا لكنها تفتقر إلى المفاجآت العميقة. تفسير كل شيء للقارئ، بدل ترك مناطق غامضة. أما إذا استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي كمساعد، ثم أعاد كتابة النص
مرات عديدة وأضاف خبرته وتجربته، فتصبح عملية التمييز شبه مستحيلة".
الأدب العظيم لا يقوم
على البلاغة وحدها، بل على الرؤية. والرؤية وليدة تجربة إنسانية معاشة، واحتكاك
طويل بالحياة، وذاكرة شخصية، وتناقضات نفسية، وخسارات وانتصارات. الذكاء الاصطناعي
لا يمتلك ذاكرة ذاتية ولا تجربة وجودية، بل يعيد تركيب ملايين الأنماط اللغوية
التي تعلمها. لهذا قد يكتب
رواية ممتعة، لكن القارئ لن يعيشها.
حالياً: تمت برمجة
الذكاء الاصطناعي بحيث يمتنع عن الخوض في القضايا الإشكالية والحساسة والمثيرة
للجدل خاصة السياسية والأيديولوجية والدينية، ويمتنع عن استخدام "الإيروتيك"
في الأدب، أو استخدام الألفاظ "الخادشة للحياء"، أو التحريض على التمرد،
وهذه العناصر باعتقادي جوهر الأدب الجيد والراقي وميزته، فإذا فُقدت في أي عمل إبداعي
سيفقد روحه، سيكون مثل وردة بلاستيكية. سيكون أدبا متحفظا، يميل إلى الوعظ ويدعو
للفضيلة..
حالياً، لا توجد أداة
موثوقة تستطيع الجزم بأن رواية ما كتبها الذكاء الاصطناعي. ولكن من يدري كيف سيكون المستقبل؟
قد يكون من غير الأخلاقي إستخدام الذكاء الاصطناعي في توليد نص إبداعي ثم إدعاء الكاتب أنها من نتاجه الخالص.. هذا كذب وتزييف.. ولكن ما المانع في الاستعانة بهذه التقنية؟ كأن يعمل الذكاء الاصطناعي كمدقق ومحرر أدبي أو ناقد أول: يساعد في اختبار الحبكة، واكتشاف الثغرات، واقتراح صيغ لغوية، وبدائل، أو مساعدة الكاتب في العصف الذهني وتجاوز ما يُعرف ب"قفلة الكاتب"، أو للتأكد من دقة معلومة.. بينما تبقى الرؤية والصوت والتجربة والخيال على عاتقه وملكاً له.
لماذا أجاز العالم استخدام الذكاء الاصطناعي في كافة المجالات، بل وتفاخر
بها: الطب، التحاليل المخبرية، الهندسة، التصاميم، تحليل البيانات، الإحصاءات،
البرمجة، الاتصالات، الأرصاد الجوية، التصوير، السينما، محركات البحث، الابتكار
والتطوير الصناعي.. بينما وقف متسائلا ومحذرا عند الأدب؟
هذا مجرد تساؤل.. والإجابة
المتوقعة أن الأدب شأن إنساني خالص، وقيمته الحقيقية لا تكمن في الصياغة وحدها؛ هو
تجربة وجدانية، هو رحلة نحو الخلاص الروحي أو العيش في القلق، هو عصف ذهني، وطرح أسئلة
وجودية، ونبش تناقضات النفس البشرية وصراعاتها الداخلية، والغوص عميقا في أعماق
النفس، وملامسة خلجات الروح.. لذا الأدب مختلف عن سائر التجارب البشرية.. ويصعب
على الذكاء الاصطناعي أن يبتكر هذه العناصر من تلقاء نفسه.
في المستقبل ربما يطور
الذكاء الاصطناعي نفسه لدرجة يستطيع فيها تقمص المشاعر والتجارب الإنسانية، وأن
يطور ذاكرة شخصية، وأن يصبح قادرا على استدعاء المكان، والتقاط التفاصيل الصغيرة، بنبرة
تأملية تمزج السرد بالفكرة، وبرؤية واعية، وبلغة إبداعية، مستفيدا من أعمال الأدباء
الكبار أنفسهم!
حينها، ماذا سيفعل
الأدباء؟ هل ستتولى دور النشر المهمة؟ وكل ما عليها تقديم طلب للذكاء الاصطناعي: أريد
رواية إنسانية درامية مشوقة بالمواصفات التالية.. وخلال سويعات تكون الرواية قد صدرت،
وصارت الأكثر مبيعا!
سيواجه الشعراء نفس مصير
الروائيين المجهول.. ستطلب دار النشر من الذكاء الاصطناعي ديوانا من مائة صفحة يضم
قصائد على بحر الكامل، وأخرى على بحر البسيط، مع خاتمة نثرية درويشية.. وقد تطلب شركة
توزيع أغنية بصوت كلثومي على مقام الصبا، وأخرى شبابية على إيقاع البوب، والهيب
هوب.. ماذا سيفعل الملحنون؟ وكتاب السيناريو؟ والمسرحيون؟ والنحاتون؟ ورواد الفن
التكعيبي "المنسوب لخالد بن الوليد"؟
سؤال أخير، وخطير: ماذا
لو كان المؤلف عبارة عن ذكاء اصطناعي؟ السؤال الأخرى والأخطر: ماذا لو كانت دار
النشر عبارة عن منصة إلكترونية يملكها ويديرها الذكاء الاصطناعي؟ السؤال الكابوس:
ماذا لو كان جمهور القراء عبارة عن روبوتات آلية؟
بما فيهم النقاد والمعجبون والرافضون؟
أهلا بكم في ديستوبيا
المستقبل..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق