مباشرة بعد بداية عدوانه على غزة في 7 أكتوبر أقامت سلطات الاحتلال سجناً في قاعدة عسكرية في صحراء النقب على بُعد 30 كيلومترا من قطاع غزة، المعروف باسم "سدي تيمان"، ونقلت إليه كل من اعتقلتهم في غزة، بينهم نساء وأطفال ومسنين. احتجزتهم في ظروف غير إنسانية وبلا مقومات للحياة. وبحسب شهادات موثقة وتقارير لمنظمات حقوقية تناولتها مختلف وسائل الإعلام بما فيها صحف إسرائيلية، فقد ارتكب الجنود الإسرائيليون في هذا السجن الفظيع انتهاكات حقوقية مرعبة في حق المعتقلين، وأذاقوهم فيه مختلف أصناف التعذيب والإهانة، بما فيها حالات اغتصاب، وجرائم الإخفاء القسري. وذكرت صحيفة هآرتس أن نحو أربعين أسيراً منهم قد قتلوا، نتيجة الاعتداءات الوحشية التي تعرضوا لها.
منذ بداية حرب
الإبادة اختلفت ظروف السجون والمعتقلات الإسرائيلية، صحيح أنها كانت باستيلات مرعبة، لكن الحركة الأسيرة
استطاعت انتزاع الكثير من حقوق الأسرى بعد سلسلة إضرابات طويلة ومريرة، وعبر مسيرة
نضال طويلة ومضنية قدمت فيها عشرات الشهداء.. بعد 7 أكتوبر انقلبت كل القواعد التي
حكمت العلاقة بين الحركة الأسيرة وإدارة مصلحة السجون، فأصبح الجيش هو المسؤول
الأعلى عن السجون وأُعلنت حالة الطوارئ، فاستغل بن غفير الظرف الجديد، وقد أزيلت
من أمامه كل المعوقات لتنفيذ سياسته وتوجهاته الإجرامية بحق الأسرى، ليعلن الحرب
على الأسرى بالمعنى الحرفي للكلمة.
منذ حرب الإبادة قامت مصلحة السجون بقطع الأسرى عن
العالم الخارجي، ومنعتهم الخروج إلى الساحات أو التنقل بين الأقسام، وأوقفت زيارة
الأهالي والصليب الأحمر والمحامين، ثم صادرت كافة مقتنياتهم، وبدأت أعمال التنكيل
والضرب الوحشي وتقليص وجبات الطعام بشكل خطير، حتى فقدَ الأسير بمعدل عشرين كغم من
وزنه، وتم سحب كافة الملابس والأغطية ولم يبقوا لدى الأسير سوى غيار واحد وبطانية
واحدة، ومع زيادة أعداد المعتقلين صار يزج بهم في نفس الغرف التي كانت تعاني أصلاً
من الاكتظاظ، الأمر الذي أدى إلى حالة من الاختناق، كما تم تقليص كميات مواد التنظيف،
مما تسبب بخلق بيئة محفزة على انتشار الأمراض الجلدية والعصبية والنفسية، وتواصل
إدارة السجون عمليات نقل مستمرة ومتواصلة بين الأقسام والسجون حتى لا يشعر الأسير
بأي قدر من الاستقرار، مع استهداف بعض الأسرى الذين مارسوا أدواراً قيادية بعزلهم
عن بقية الأسرى والتنكيل بهم والاعتداء عليهم بطريقة وحشية تعرض حياتهم للخطر.
وبحسب مقال قدورة فارس، الرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى
والمحررين: استغلت إسرائيل أحداث السابع من أكتوبر لتنفيذ كل ما كانت تخطط
له ضد الحركة الأسيرة، ولم تسعفها الظروف سابقاً للقيام بذلك، فإعلان حالة الحرب
والطوارئ مكن بن غفير من التجرّد من كل الاعتبارات والالتزامات المترتبة على
الدول، وتجاهلت الحكومة الفاشية في إسرائيل حقيقة أنها دولة ينبغي لها أن تحتكم
إلى ما نصّت عليه الاتفاقات والقوانين والشرائع الدولية، وضربت بعرض الحائط اتفاقيات
جنيف، وتصرفت كما لو كانت عبارة عن ائتلاف لمجموعة من العصابات الإجرامية التي
تحركها نزعة الشر والرغبة بالانتقام وإيقاع أكبر قدر من الأذى بالشعب الفلسطيني
وبرموزه من الأسيرات والأسرى.
اعتاد بن غفير زيارة السجون والتلذذ بمشاهد تعذيب الأسرى
والتنكيل بهم، بل ويعمد بنفسه على توجيه إهانات شخصية لهم، وفوق ذلك ينشر صور ما
يقوم به من ممارسات سادية وعنصرية وتهديدات بتحويل حياتهم إلى جحيم.
مؤخرا أقر الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة قانون إعدام الأسرى
الفلسطينيين؛ بعد أن ظلت إسرائيل لسنوات حريصة على الظهور إعلاميا بمظهر دولة
القانون والديمقراطية، وأن تتلاءم في تشريعاتها مع العالم الغربي، لكن هذه المزاعم
سرعان ما تكشفت مع الصعود المتنامي لليمين القومي والديني، وتحت وطأة سيطرة تيارات
فاشية عنصرية على مقاليد الحكم في إسرائيل، فبعد إقرار قانون القومية هاهي تتبنى
قانون إعدام الأسرى، ما يُعد تصعيدا غير مسبوق في سياسات القتل والتنكيل، وتشريعا
رسميا للإعدام خارج نطاق القانون، وتحدٍّ صارخ للقانون الدولي الإنساني.. إلى جانب
عشرات القرارات والقوانين العنصرية التي تؤكد عنصرية هذا الكيان، وأنه يمثّل خطرًا
على الإنسانية وتهديدا لمنظومة السِّلم الدولي.
أثار قانون إعدام الأسرى ردود فعل فلسطينية غاضبة، وقد أصدرت الرئاسة
والخارجية ومختلف الفصائل الفلسطينية والعديد من المنظمات الحقوقية بيانات منددة
تعتبر أن القانون الجديد يشكّل تطورا خطيرا في منظومة التشريعات الإسرائيلية، ويكرّس
الطابع العنصري لمنظومة الاحتلال، ويشرعن القتل بوصفه أداة سياسية، ويضع حياة آلاف
الأسرى الفلسطينيين في دائرة الاستهداف المباشر.
الجديد في القانون أنه يشرعن القتل علانية، علماً أن الاحتلال دأب على إعدام
الأسرى بصور متعددة: لديه دوما قائمة مطلوبين للاغتيال (ليس للاعتقال)، ويتعمد قتل
كل من يشتبه به، وإذا أطلق عليه الرصاص يمنع إسعافه حتى ينزف كل دمه، إضافة إلى من
أعدم تحت التعذيب، أو بسبب الإهمال الطبي.
حاليا، بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين أكثر من 9500 أسير، بينهم 350 طفلا يعانون
من التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والاعتداءات الجنسية الممنهجة، إلى جانب
سلسلة من الانتهاكات، من بينها الحرمان، والسلب، والتنكيل، والإذلال، والاحتجاز في
ظروف لا إنسانية تمس الكرامة الإنسانية. وعلى مدار العقود الماضية اعتقلت سلطات
الاحتلال أكثر من 16.000 سيدة فلسطينية، بقي منهن 66 أسيرة.
وبحسب بيان لنادي الأسير: منذ عام 1967 بلغ عدد شهداء الحركة الأسيرة 326 شهيدًا، منهم 89
شهيدًا ممن عُرفت هوياتهم ارتقوا نتيجة جرائم التعذيب بعد حرب الإبادة الأخيرة، فضلا
عن العشرات وربما المئات المفقودين، ومن تخفيهم سلطات الاحتلال، وعشرات
آخرين جرى إعدامهم ميدانيًا، وقد أظهرت صور جثامينهم التي سُلّمت بعد وقف إطلاق
النار، أنهم تعرضوا للتعذيب وتم إعدامهم ميدانيا.
إسرائيل هي الكيان الوحيد في العالم وعلى مر التاريخ التي تعتقل جثامين
موتى! فهي تحتجز جثامين97 شهيدًا معروفة هوياتهم، من بينهم 86 شهيدًا منذ بدء حرب
الإبادة.
كل القوانين والإجراءات الاحتلالية لن تنجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني
أو النيل من صموده، ولن تثنيه عن مواصلة نضاله المشروع من أجل نيل حريته..
الحرية لأسرانا الأبطال..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق