أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

فبراير 14، 2026

ساعة يوم القيامة

 

قبل أسبوعين، أعلنت المديرة التنفيذية لنشرة علماء الذرة، أنّ 85 ثانية فقط تفصلنا عن منتصف الليل. ومنتصف الليل يعني نهاية العالم وفناء البشرية، وفق "ساعة يوم القيامة"، وهي عداد دقيق، أو مؤقِّت بمقياس معين، ابتدعته مجموعة من علماء الطاقة النووية في العام 1947، في جامعة شيكاغو وممن عملوا في مشروع مانهاتن النووي، تديرها منظمة علمية اسمها "نشرة علماء الذرة" وتجتمع دوريا، لحساب مدى قرب انتهاء البشرية، حيث يمثل منتصف الليل لحظة وقوع الكارثة الكبرى التي ستدمر كوكبنا.

جاءت فكرة "ساعة يوم القيامة" من تشبيه مجازي يقوم على فرضية أنه فيما لو تم ضغط تاريخ كوكب الأرض منذ نشأته حتى اليوم في عام واحد، فهذا يعني أن أول أشكال الحياة بدأت في أوائل آذار من العام، والكائنات متعددة الخلايا ظهرت في تشرين الثاني، والديناصورات في أواخر كانون الأول، أما البشر فقد ظهروا في الساعة 11:30 من مساء ليلة رأس السنة.

وإذا ما قارنا تاريخ الأرض الطويل (4.7 مليار سنة) بعمر البشرية (200 ألف سنة) وطبقنا الرقمين على تلك الساعة، سندرك مدى قصر مستقبلنا المثير للشفقة. فنحن لا نملك سوى دقائق معدودة حتى منتصف آخر ليلة لنا على كوكبنا، لنشهد نهاية العالم.

هذه الدقائق المعدودة قد تعني مئات أو آلاف السنوات إذا ما سارت الأمور بشكل طبيعي، وقد تعني بضعة سنوات ليس إلا، وبحسب الخبراء يؤثر على هذا العدّاد الدقيق والمخيف عدة عوامل؛ وهي التهديد النووي، والتغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والأسلحة البيولوجية، وهشاشة الثقة بالنظام العالمي، وأخيرا دونالد ترامب. وإضافة اسم ترامب ليس مزحة، هو تهديد حقيقي لمستقبل العالم.

عندما بدأ العلماء بقياس ساعة يوم القيامة، حددوا 7 دقائق متبقية من عمر البشرية، على ضوء تعرض اليابان لقنابل ذرية، وتداعيات الحرب العالمية الثانية، في العام 1953 خفضوا الرقم إلى 2.5 دقيقة على ضوء اختراع القنابل الهيدروجينية، تأرجحت الساعة بين صعود وهبوط على ضوء تطورات الحرب الباردة، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي تم تمديد الرقم إلى 17 دقيقة.. وهي أطول فترة عكست تفاؤل العلماء بمستقبل العالم. ثم تم تقليص الرقم إلى بضعة دقائق مع التغير المناخي وظهور الذكاء الاصطناعي، قبل أسبوع تم تخفيض الرقم إلى 85 ثانية فقط، وهي أقصر مهلة خلال العقود الثمانية الماضية، أي منذ اختراع الساعة؛ بسبب المخاطر النووية المتصاعدة (الحرب الروسية الأوكرانية، الصراع السياسي والتجاري بين الصين وأميركا وأوروبا، تهديدات الحرب على إيران)، وتصاعد أزمة المناخ والاحتباس الحراري، والسباق غير المنظم نحو الذكاء الاصطناعي.

فكرة ساعة يوم القيامة ليست من نمط نظريات المؤامرة، هي مؤشر على جدية المخاطر التي تهدد العالم، وتحذير عام لحث قادة الدول على اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من هذه المخاطر.

لو استعرضنا أهم ثلاثة معايير اعتمدتها "ساعة يوم القيامة" وهي: التهديد النووي، والتغير المناخي، والاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي، سنخلص إلى نتيحة تلخصها عبارة واحدة "الغباء البشري"، فهذه العوامل من صنع البشر، وبالتالي الإنسان المعاصر هو المتهم الأول.

لقد قتلت قنبلة هيروشيما 70 ألف إنسان في يوم واحد، وقد بلغ وزنها 13 ألف طن ت.ن.ت، اليوم تمتلك الدول النووية آلاف القنابل النووية (روسيا وأميركا تمتلكان أكثر من 11 ألف قنبلة)، تبلغ قدرة القنبلة النووية الحالية 15 مليون طن ت.ن.ت، وإذا ما نشبت حرب نووية عالمية فإنها قادرة على قتل 100 مليار إنسان، أي 15 ضعف عدد سكان الأرض.

تاريخيا، أهلكت الحروب ملايين البشر، وما زالت تقتل كل دقيقة مئات الأرواح البريئة، وتقصف أحلام الناس، وتهدم بيوتهم، وترسم لهم صورة قاتمة عن المستقبل. حتى لو توقفت الحروب أو توارت قليلا، فإن سباق التسلح يكمل المهمة دون رحمة.

فيما يتعلق بالتغير المناخي، فقد تبين أن نشاط البشر كان من بين أهم أسباب هذا التغير، ونقصد به النشاط الصناعي والتجاري والعمراني وما ينجم عنه من غازات وملوثات وأضرار بيئية، وهي في أغلبها صناعات غير منضبطة، ولا تحقق الشروط البيئية، غايتها تحقيق الأرباح الفاحشة لكبار الأثرياء حول العالم. وهذه ستكون تأثيراتها وخيمة، على شكل كوارث "طبيعية"، ومجاعات، سينجم عنها موجات هائلة من الهجرة واللجوء والحروب الأهلية.

أما السباق المحموم في مجالات الذكاء الاصطناعي فإذا ما تواصل على هذا النحو سيكون مصدر تهديد جدي وخطير، سواء تداعياته الخطيرة في الحرب التجارية بين أقطابه الكبار، خاصة الصين، والولايات المتحدة، وآثارها الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد العالم بأسره.. أو في سياق التطورات والاختراعات التي تظهر كل يوم، دون ضمانات، ودون رؤية مستقبلية بمعايير إنسانية، في كل ما يتعلق بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والهندسة الوراثية، ووسائل التواصل والاتصالات.

مستقبل البشرية مفتوح على كل الاحتمالات، ومسيرة التطور ماضية بلا توقف، وقد يصل الإنسان إلى مستوى من الذكاء والقوة والتمكن بحيث يظن نفسه إلها، لكن هذا الإنسان رغم ذلك، سيظل متخبطا في حيرته وضياعه، وغير راضٍ عن كل النظريات العلمية والفلسفية والأيديولوجية التي طرحها لإعطاء معنى وقيمة لحياته وجدوى لوجوده، المشكلة أنه اعتاد الإفساد والتدمير ضد بني جنسه وشركائه في الأرض من مخلوقات أخرى وضد بيئته، وليس هنالك ما هو أخطر من آلهة مستهترة غير راضية، ولا تعرف ماذا تريد بالضبط.

اخترع الإنسان أسلوبين للتدمير الذاتي هما: الحرب، والاعتداء على البيئة، ولذلك فإن النهايات التي تنتظره مفجعة وحزينة، ولكن هذه الصورة القاتمة لمصير الحياة يقابلها صورة مشرقة، ولكن تشكّلها يتطلب أن يعي الإنسان دوره في الطبيعة، وأن يرتقي بأخلاقه وسلوكه إلى مستوى المسؤولية، فيتخلى عن عقيدة القتل والحروب، وأن تكف الشعوب عن استغلال بعضها، وأن يوظف ذكاءه لتحقيق رفاهيته ومواجهة التحديات العديدة التي تضع مصيره على المحك، وأن يتعايش بنو البشر بمحبة وسلام، وأن يشكروا خالقهم عز وجل على نعمة الأرض ونعمة الحياة، وإلا كان ذكاؤهم هو بالفعل "هدية الطبيعة المسمومة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق