أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يناير 07، 2026

محمد شحرور، فكره ومشروعه


محمد شحرور (1938-2019) باحث ومفكّر سوري، أوجد نهجاً جديداً لفهم وتفسير القرآن. من إصداراته: الكتاب والقرآن، الدين والسلطة، تجفيف منابع الإرهاب، دليل القراءة المعاصرة للتنزيل الحكيم، الإسلام والإنسان، القصص القرآني، وغيرها..

منذ إصداره "الكتاب والقرآن قراءة معاصرة" أحدث زلزالا مدويا في عالم الفكر والفقه، ما زالت ارتداداته تتواصل حتى اليوم، فقد حاول تجديد الخطاب الديني ليلائم العصر الحالي ويخلّصه من التأويلات والنصوص التي اعتبرها غريبة ومستهجنة.. لكنه لاقى رفضا تاماً من قبل المؤسسة الدينية والتيارات السلفية ومن أغلب الأحزاب والقوى الإسلامية، التي اتهمته بتحريف الدين وإنكار السُـنّة، لدرجة أن البعض كفّره وأخرجه من الملة، وعدّه في صفوف الغرب المناهض للإسلام والمتآمر عليه، ومنهم من وصف مشروعه بأنه "حصان طروادة" الذي يحمل العلمانية والإلحاد إلى داخل حصون العقيدة. وأن أتباعه فِرقَة باطنيّة مُعاصرة تريد تفريغ الإسلام من مضمونه الإلهي، وتحويله إلى إسلام بلا شريعة (علمنة الدين).

يرى معارضوه من الإسلاميين أن مشروعه يؤدي إلى تدمير مفهوم الولاءِ والبراء، وبالتالي تذويبُ الهُوية الإسلامية؛ فشحرور يرى أنَّ اليهودَ والنصارى والصابئين مؤمنون، وناجونَ عندَ الله، وأنَّ الإسلامَ هو الإيمانِ بالله وباليوم الآخر، وأن الديانات السماوية تنصهر في الدينِ الإبراهيمي، وفي إطار الإنسانيَّة الجامعة.

كما لاقى مشروعه رفضا من قبل التيارات العلمانية واللادينية التي رأت أنه يحاول تجميل الإسلام، وتقديم نسخة مطورة عنه، في محاولة لإنقاذ سمعته التي تضررت كثيرا (بفعل الإسلام السياسي، والعمليات الإرهابية)، وهو بذلك يزيف الحقائق التاريخية، ويبتدع إسلاما جديدا بِغطاء قرآني، ويقولون إنه قرأَ القُرآنَ بمنهج داروين وماركس لكنه ظل في إطار الدين والنص الديني، وهذا من وجهة نظرهم يؤخر عمليات التحول إلى مجتمع مدني علماني حداثي.

في المقابل، لاقت أفكار شحرور قبولا واسعا لدى الجيل الجديد، وسواء تحول هذا القبول إلى تيار فكري كبير أو صغير، إلا أنه أحدث صدمة ونقلة نوعية اختلفت تأثيراتها وتداعياتها؛ مابين نشوء وتبلور تيار إسلامي معتدل وعصري، وتيار مناهض للإسلام السياسي الراديكالي، وتيار أخذ يتبنى الإسلام بوصفه دينا روحيا منفتحا حضاريا متسامحا تعدديا، لكن في صورة التدين الفردي والعيش بروح العصر الحديث دون مشروع سياسي سلطوي.

لكن التأثير الأبرز (الذي لم يقصده شحرور) هو أن تلك الصدمة أزالت غشاء القداسة عن النص الديني، وشككت في الثَّوابت وفي الموروث الفقهي، ودفعت بهؤلاء إلى ترك الدين نفسه بعدما قرؤوه بروح ومنهجية متحررة من التابوهات.

لا توجد إحصاءات دقيقة لمعرفة مدى تأثير شحرور على المجتمعات المسلمة، ومن الصعب مناقشة أفكاره في مقال واحد، لذا سأكتفي بالإشارة إلى أبرز وأهم معالم مشروعه الفكري:

أعاد شحرور اكتشاف واستخدام أدوات تاريخية في فهم وتدبر النص، أولها مفهوم الاشتقاق وجذور اللفظ والتقاليب الستة للفعل (ابتدعه الفراهيدي الذي شكّل المصحف في القرن الثاني الهجري)، وثانيها: اللاترادف التي ابتدعها ثعلب الكوفي في القرن الثالث الهجري، وتعني أن لكل كلمة في اللغة معنى مستقل ومختلف ولكل لفط دلالة (الفقراء غير المساكين، الزوج غير البعل، الموت غير الوفاة، الوالد غير الأب، الكتاب غيرُ القرآن، الزنا غير الفاحشة..) فلا يمكن للفظين مختلفين مبنى أن يعطيا نفس الدلالة. وثالثها: مدرسة "السياق" التي أسسها عبد القاهر الجرجاني رائد ومؤسس البلاغة في القرن الخامس هجري، والسياق تعني أنه سيد تحديد المعنى والدلالة، والألفاظ والكلمات دورها خدمة معنى السياق وتوضيحه، فكل مفردة ممكن أن تحمل معنى مختلفا تبعاً للسياق.

وبحسب المفكر عادل عصمت في برنامج "مجتمع" الذي يقدمه الإعلامي باسم الجمل، فإن شحرور أضاف من عنده أدوات جديدة لفهم النص القرآني؛ أولها "الترتيل"، أي تجميع كل الآيات التي تتحدث عن قصة معينة في رتل واحد ومن ثم مقارنتها ببعضها للخروج بفهم أوضح. وثانيها: أداة التقاطع، أي إحضار الآيات المتشابهة التي تتناول موضوع محدد ومن ثم مقاطعة اللفظ بينها للوصول إلى فهم أدق للفظ؛ على اعتبار أن للقرآن نظام معرفي خاص يختلف عن النظام المعرفي للغة العربية. وثالثها: الاستنباط، باستخدام الأدوات السابقة واستبعاد الفهم الشائع للفظ. مثلاً: معنى "نساء" ليس جمع امرأة، وإنما جمع "نسيء"، أي التأخير؛ ليصبح المعنى: الأشياء المؤخّرة، أي الأشياء الجديدة المحبوبة للناس، وهي الموضة.

هذا المنهج يعتبر ثورة على المنهج التقليدي الذي أسسه الإمام الشافعي (أصول الفقه)، وسار عليه فقهاء المسلمين 12 قرنا دون مراجعة ولا تجديد. فعند الشافعي يُفهم النص القرآني من خلال خمس أدوات: النص (ولا اجتهاد مع النص)، والحديث النبوي، والقياس، والإجماع، والاجتهاد.. وبحسب شحرور أدى هذا المنهج "السلفي المحافظ" إلى تعطيل العقل الإبداعي وتجميد التفكير، بل وتعطيل الاجتهاد نفسه.. وتلك من بين أهم أسباب تأخر وتخلف العرب والمسلمين ودخولهم مرحلة الانحطاط الفكري.

اعتبر شحرور إنّ القرآن رسالة عالمية، وبالتالي يجب أن يلائم كل الشعوب والمجتمعات. ولأنه رسالة خاتمة، فيجب أن يكون النصّ مواكبا لكل التطوّرات في كل العصور. ويرى أنّ قيم القرآن يجب ألا تتناقض مع قيم العالم، وحتى يكون المسلمون جزءًا من الحضارة الإنسانية يجب أن تكون مفاهيم القرآن منسجمة مع قيم الحضارة الحديثة.

اعتمد على نسبية الحقيقة، وابتدع نظريَّة الحدود، ليقول إنَّ الله لم يضعْ أحكاماً مطلقة، بل وضعَ حداً أدنى وحداً أعلى، وما بينهما متروكٌ للتطورِ البشري. باستثناء المحرمات التي حصرها وفصلها في الآيات القرآنية فقط، ولا اجتهاد فيها، وهي محرمة في أغلب الديانات والثقافات.

ورأى أن العقلية الذكورية سيطرت على علاقة الفقه الإسلامي التاريخي بالمرأة وفي نظرته الدونية تجاهها، بحيث تحوّلت العادات العربية إلى دين، واعتبر حجاب المرأة مجرد لباس اجتماعي وليس ديني، ولا يوجد ما يسمى حجاب في القرآن (بالمفهوم السائد)، فالله تعالى فرض الحد الأدنى للباس المرأة والرجل، وهو بالنسبة للمرأة تغطية الجيوب، وكل ما عدا ذلك يتبع للذوق الشخصي والأعراف والمناخ.

كذلك اتخذ شحرور موقفا مغايرا ومعاكسا لموقف الفقه التقليدي السائد تجاه العديد من القضايا (الربا والفائدة، العقوبات مثل قطع يد السارق..)

اعتبر معارضوه أن منهجه عبث وبهلوانية لُغويَّة، وحاولوا التصدي له، ولكن أغلبهم إتبع أسلوب التهجم والاتهام والتكفير، دون أن يقدموا محاججات منطقية على أسس علمية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق