انتهت الحرب
على غزة بنتائج كارثية، أكثر من 300 ألف إنسان بين قتيل وجريح ومفقود، وتدمير 80%
من المنشآت والمساكن وتخريب للبنية التحتية، ونحو مليون مواطن غارقون في المطر والوحل
يعيشون في خيام مهترئة في ظل ظروف غبر آدمية.. البنية العسكرية لحماس تدمرت، وتم
اغتيال قادة الصف الأول والثاني، واحتلت إسرائيل 52% من القطاع، وهيأت كل الظروف لتهجير
سكانه مع أول فرصة.
توقفت الحرب
رسميا، ووافقت حماس على خطة ترامب، لكن إسرائيل واصلت عدوانها؛ بعد الإعلان عن وقف
إطلاق النار قتلت نحو 450 فلسطينيا منهم قادة عسكريين في القسام، ودمرت باقي الأنفاق
(منها ما تم تدميره على يد حماس بحجة البحث عن جثامين الرهائن)، وقصَفَ الاحتلال
عشرات المباني والتجمعات السكنية، وعزَل القطاع إلى قسمين، وظل يواصل تقريب الخط
الأصفر ويثبت حدوداً جديدة حتى احتل فعلياً 63% من القطاع.
مرت ثلاثة
شهور ولم تنفذ إسرائيل شيئا من خطة ترامب، لم توقف القتل، لم تسمح بإدخال
المساعدات، ولا الخيام ولا الكرافانات، ولم تبدأ أي أعمال لإعادة الإعمار أو حتى
إزالة الأنقاض، لم تسمح بخروج الجرحى والمرضى لتلقي العلاج، ولم تفتح معبر رفح..
الجيش يتصرف بكل أريحية وعنجهية.. وحماس لم تطلق رصاصة واحدة..
التضليل ليس
فقط في وقف إطلاق النار، ولا في إدعاءات الانتصار.. التضليل أساسا في تشويه معنى المقاومة،
وبحصرها في حماس، وأنها ما زالت تمثلها..
رغم حجم
الفاجعة، عوضا عن الاعتراف بالواقع والتقدم بقراءة نقدية ومراجعات جادة أصدرت حماس
وثيقة أسمتها "الرواية الرسمية لطوفان الأقصى بعد عامين من القتال والصمود".
إسرائيل التي
سحقت القطاع وأعادت احتلاله وأنهت محور المقاومة.. شكلت لجنة تحقيق لتحليل إخفاقاتها
الأمنية، بينما حماس التي خسرت الحرب والأرض وجلبت نكبة جديدة تُصدر وثيقة مليئة
بالخطابة والإنشاء والشعارات وتعلن تحقيق عشرين منجزاً !
إسرائيل التي مارست الإبادة بكل وحشية تقمصت دور الضحية، وأقنعت العالم
أنها تدافع عن نفسها، وأن هدفها منع 7 أكتوبر جديد، وتحت هذه الذريعة تمعن في
عدوانها على كل فلسطين وعلى الإقليم دون أن يتمكن أحد من ردعها. بينما حماس بخطابها وتصريحات قادتها تتقمص
دور المقاومة المتفوقة التي دمرت ثلت جيش الاحتلال، وحققت منجزا عظيما وأحرزت نصرا
مؤزرا !
لم تميز حماس بين حق المقاومة وكيفية ممارستها، وخلطت الأسباب بالنتائج،
فبعض ما تحقق من الإبادة مثل عزل إسرائيل وفضح عنصريتها وهمجيتها وتقديمها للمحاكم
الدولية وإعادة القضية إلى الواجهة.. لم تكن أصلا من أسباب ودوافع بدء الحرب، جاءت
كنتيجة لوحشية العدوان وقسوة مشاهد استهداف المدنيين..
لم تحسن حماس تقدير الموقف ولا قراءة قدرات العدو وتوقع ردة فعله.. ولم
تدرك التوازن بين السياسة والسلاح، وما زالت تصر على الموقف نفسه والخطاب ذاته دون
تراجع رغم توضح حجم الكارثة! خطاب منفصل عن سياقات التاريخ بشعارات لا علاقة لها
بالواقع، تعويمات تسطيحية لا تحترم العقل ولا الدم ولا التضحيات ولا معاناة وخسائر
الغزيين دون كلمة واحدة تحاول ترميم جراحهم أو تعتذر عن تلك المغامرة التي استدعت الوحش،
وأدخلته إلى البيت ليحطمه.
يبدو أن قيادات حماس لم تستوعب بعد نتائج الحرب! ما زالت تصر على البقاء في
الحكم بأية صورة، بما في ذلك التخلي عن المقاومة (هدنة طويلة الأمد) أو التبعية
للأميركي.. وتصريحاتهم تؤكد ذلك، يقول موسى أبو مرزوق إن سحب سلاح حماس سيضر بأمن
المستوطنات! أما مشعل فطالب الرئيس ترامب أن يمنحه فرصة مثلما منح أحمد الشرع!
مشكلة حماس أعمق وأقدم من تلك التصريحات بكثير، أزمتها من البداية في نمط
تفكيرها حيث ترى الواقع بشكل متخيل، وتعتقد أن السياسة تُدار بالأيديولوجيا
والشعارات، وأن الشعب مجرد وقود للحرب وأضحيات..
من البداية
حاولت حماس عبثا المزاوجة بين متناقضات يستحيل الجمع بينها: بين ادعاء تمثيل الشعب
الفلسطيني، وادعاء تمثيل السماء. تريد أن تقصي منظمة التحرير وتمثّل الشعب
الفلسطيني حتى لو أدى ذلك إلى ارتهان القرار الوطني ومصير القضية لأجندات خارجية.
تريد سلطة وحكم ودولة.. دون أن تتحمل مسؤوليات وتبعات ذلك سواء تجاه
المواطنين من ضمان الحقوق وتأمين متطلبات الحياة، أو تجاه المجتمع الدولي من دفع
الاستحقاقات السياسية، أي دون تصور واقعي عن الدولة الحديثة، وعلاقتها بالمجتمع
والعالم، وعن معنى التمثيل السياسي. فقد حكمت القطاع دون أن تعتبر نفسها مسؤولة عن
الشعب بالمعنى الواقعي والعملي، وأحالت ذلك إلى السلطة الوطنية (التي حاربتها
واتهمتها بالخيانة)، وحاربت إسرائيل بجموع المدنيين دون أن ترى في حياتهم أية قيمة
إنسانية. وهي هنا عبارة عن جماعة ترى نفسها وصية على مجتمع «جاهلي»، وتمنح نفسها
حق التضحية به من أجل هدفها الأعلى، وهي بذلك تطبق حرفيا أيديولوجية الإسلام
السياسي كما صاغها سيد قطب.
تؤكد حماس أنها حركة وطنية فلسطينية، لكن تبعيتها الحقيقية لجماعة الإخوان،
وأنَّ هدفها التحرير ومقاومة الاحتلال، بينما هي أداة بيد قوى خارجية وتنفذ
إملاءاتهم، وتقول إنها حركة تحرر وطني بينما تخوض حروبها بمنهج وخطاب الجيوش
النظامية، وليس بمنهج وأدوات حركات التحرر.
كان واضحًا من البداية أن مشروع حماس لا يملك أفقًا سياسيا
واقعيا، وأنه سينتهي بالخراب. وهذا الاستنتاج لخصته شعارات الحركة وتصريحات
قادتها: "نحن ومن بعدنا الطوفان" كما قال مروان عيسى. أما يحيى السنوار فقدّم
صورة أسطورية عن الحرق الجماعي باسم العقيدة وأعاد استحضار قصة "أصحاب الأخدود".
خليل الحية صاغها أوضح حين قال: "غزة قربان للأمة الإسلامية". أما
إسماعيل هنية، فوعد بالقتال "حتى آخر طفل".
وما زالت تمارس لعبة التناقضات
وفي ظنها أنها تستطيع خداع العالم وكسب الوقت: من جهة تتمسك بالحكم وبالسلاح، ومن
جهة ثانية تطالب بهدنة طويلة، وتجميد السلاح، وتقول إنها مستعدة للتخلي عن الحكم
دون أن تتخلى عنه فعليا، تريد إعادة الإعمار وهي تعلم أن ذلك مستحيل بوجودها، تريد
الوحدة الوطنية دون أن تسلم ملف القطاع إلى منظمة التحرير، بل وترفض الاعتراف بها.
في ظل الانقسام، وبهكذا عقلية أي مستقبل ينتظر غزة، وأي حل يمكن تحقيقه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق