أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 26، 2025

يكفي تمجيداً للموت


قبل حرب الإبادة كانت الأمهات يودعن أبناءهن القتلى بالزغاريد، لأن التضحيات كانت معقولة، وتنضوي على بصيص أمل بأنها ستقود إلى أفق التحرير.. اليوم لا زغاريد، ولا حتى جنازات، مع إحساس بعبثية الموت..

الآن، وسابقا، وفي كل مكان، لا توجد أم تفرح لخسارة ابنها حتى لو زغردت، ولا يوجد أب يسعد بموت ابنه حتى لو بدا متماسكا، بعد انفضاض المعزين سيمر الأب أمام غرفة ابنه، سيجد سريره مرتبا، لكنه فارغا، سيدرك أنّ الغرفة والبيت والحياة كلها يعمها الفراغ.. سيبكي بحرقة وفي صمت، وسيتجرع الحزن بكل الألم.. سيدرك أن الموت فاجعة مهما كانت تسمياته جاذبة وخادعة.. والفاجعة الأكبر أن البلد تدمرت وصار عدد القتلى مهولا ومرعبا..

ورغم المأساة يستغل بعض الإعلاميين والحزبيين لحظات استقبال الموت الموجعة شديدة الخصوصية إما لسبق صحفي، أو لرفع أسهم الحزب، أو للدعاية الأيديولوجية.. وقد دأب الإعلام الحزبي على تمجيد الموت، ليجعلنا نتقبله، وليخفف وطأته على ذوي القتيل.. بعد منحه لقب شهيد؛ وصار البعض يردد أن "الشهيد" حقق أغلى أمانيه (الشهادة).. بمعنى أنه يتوجب شكر الاحتلال لأنه حقق له حلمه، وأدخل الفرح لقلوب أهله، وأعطى لحزبه أو لفصيله فرصة للتباهي وتنزيل بوستر يمجد بطولات الحزب.. بدلاً من إدانة الجريمة.

عندما نسمع كلمة شهيد، يتبادر إلى أذهاننا تلك الصور الجميلة والمجيدة عن الموت بأبهى أشكاله، نتخيل الشهيد في الجنة، وأنه سيشفع لأهله.. وبذلك يخف غضبنا، وتتلاشى أحزاننا، ونستبدلها بمشاعر رضا غامضة.. أي قبول صامت لتلك النهاية الفاجعة.. بل تستولي علينا مشاعر العز والفخر.. لهذا السبب نكتفي عادة بشتم العدو الذي قَتل، ونطوي أحزاننا بصمت وهدوء.. ونحول حياة الإنسان الذي قُتل للتو إلى مجرد خبر.. لا أحد يفكر بشكل جدي بعمل شيء حقيقي للرد على الجريمة.. خلافا لما يحدث عند مقتل أحد في مشاكل داخلية.. حينها على الفور يظهر الغضب الساطع، وردات الفعل العنيفة، وفي معظم الحالات يتم الأخذ بالثأر. ونادرا ما نسامح أو نغفر..

لذلك، يجب التوقف عن استخدام كلمة استشهد فلان.. نظرا لفعلها الصامت والمريب في امتصاص غضب الجماهير، وتحويله إلى حزن مكبوت.. لنسمي الأشياء بأسمائها.. لنقل قتلت قوات الاحتلال فلانا.. كلمة قتل تثير مشاعر الغضب الإيجابي، ولها مدلولات قانونية وسياسية قوية، حينها ندرك أن هناك قاتل، وقتيل، وبالتالي جريمة قتل مكتملة الأركان.. وهذه الجريمة تستوجب الرد الفعلي..

ليس في هذا أي تقليل من قيمة الشجاعة وأهمية التضحية، أو انتقاص من قدر الشهداء.. ولا أرفض تكريم الشهداء، ولا أدعو لعدم تمجيدهم، الشهداء أكرم منا جميعا.. لكن هي دعوة للتفكير والتساؤل، كيف أوصَلَنا التغني بالشهداء إلى استسهال الموت، وتقبله بفرح ظاهري، وتسخيف قيمة الحياة!! كيف تسللت إلينا ثقافة الموت محمّلة على معاني رمزية وجعلت حياتنا بلا قيمة؟

هل تساءلنا يوما، لماذا خبر مقتل إسرائيلي واحد يحتل العناوين الأولى في وسائل الإعلام! بينما مقتل 100 فلسطيني يوميا بلا معنى، حتى بلغ العدد مائة ألف قتيل! وقد تبلدت مشاعرنا تجاههم! الجواب لأننا تشربنا ثقافة الموت، وصار الموت عندنا عاديا، بل مقبولا..   

معركتنا مع الاحتلال طويلة.. سننتصر حين نكف عن الاحتفال بالموت، وحين ندرك أن الأهم من الإقبال على الموت، أن نتعلم كيف نحب الحياة، وأن التضحية لا تعني الموت بالضرورة، والشجاعة لا تعني التهور.. سننتصر حين نفكر ونحلم بالمستقبل، ونبدأ بالتفكير كيف نحقق أحلامنا ونخطط لمستقبلنا.. حين نؤمن بأن الإنسان هو حجر الزاوية في العملية النضالية برمتها، وأنه هدفها وأداتها وغايتها ومبتغاها.. هو كل شيء، وقبل أي شيء..

وحدها النظم الاستبدادية من يتغنى بالموت، ومن يمجد الأعداد الكبيرة من القتلى، لأنها تعويض عن فشلها، ولأنها محاولات بائسة للتغطية عن المخططات الفاشلة، وعن الظروف القهرية السيئة التي يعيشها المجتمع.. تمجيد الموت نتاج أيديولوجيا أصولية متزمتة، وظيفتها أن تواسي يأس الناس، وتداعب عواطفهم بأماني غيبية، وتمنّـيهم بالخلاص الآخروي من هذا الهوان، بشعارات براقة وخطاب ديماغوجي يصور لهم الدنيا بأنها فانية وزائلة، وما عليهم سوى الإقبال على الآخرة، حيث النعيم المقيم، والحور العين.. في هذه البيئة المرضية من الطبيعي أن ينشأ ما سيُعرف "بثقافة الموت"، أن يغدو الموت غاية بحد ذاته، حتى لو كان بلا هدف ولا نتيجة.

في ظل ثقافة الموت يدب اليأس محل الأمل، وتموت الرغبة، وتضمحل قيمة الحياة، ثم تأتي ثقافة المجتمع التي تكرم الشهيد، وتجعله في مصاف الأنبياء، وتخلق منه أسطورةً للبطولة والفداء.. . لتغدو الحياة عبئًا، والموت خلاصًا.

في ظل ثقافة الموت انتشر الاستخدام الخاطئ لأمثلة الجزائر وفيتنام، لأن وظيفتها تقبُّل مقتل عشرات الألوف، بل وحتى مليون إنسان..

صارت كلمة "شهيد" كليشيه مبتذل، مجرد بوستر يغطي جثة، هدفها إسكاتنا، لنتقبل الموت بلا احتجاج. كلمة تغطّي الخسارة الفادحة، وتخفي الهزيمة، وتموّه على عدم تحقيق أية أهداف أو منجزات سياسية، وقد تحولت إلى ورقة ضغط في يد المفاوض.

لا نريد شهداء؛ نريد أطفالا يملأون الشوارع بضحكاتهم ولعبهم، وشبانا يتخرجون من الجامعات، نريدهم أحياء يحبون ويتزوجون ويتكاثرون، ويزرعون ويصنعون ويبنون بلدهم.. البطولة لا تُقاس بعدد القتلى، ولا بحجم التضحيات، البطولة في البناء والتنمية والازدهار والتشبث بالحياة والصمود فوق الأرض، وفي مواجهة العدو ومقاومته بالطريقة الصحيحة.

آن الأوان لنتوقف عن تقديس الشهادة، وأن نعترف بأن الموت يعني الموت.. يعني النهايات الحزينة، وأن الذين ماتوا غادروا دنيانا للأبد، وأنهم فقدوا حيواتهم بكل ما كانت تعني وتحتمل.. وأن الموت سيوجع الذين من بعدهم: أهلهم وذويهم ومحبيهم.. وخسارة للوطن.. آن الأوان لنكف عن توظيف التضحية والشهادة توظيفاً دعائياً رخيصاً وكاذباً. وآن لنا أن ندرك قيمة الحياة، وقدسيتها وأهميتها لكل إنسان..

الحياة مقدسة، وقيّمة، وتستحق أن تُعاش، هي هبة الخالق العظيم، ولا يجوز أن نفرط بها مقابل تصفيق الآخرين، أو لقاء أي وعد طوباوي..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق