أبسط تعريف للمظاهرة: نشاط
اجتماعي يتمثل بخروج مجموعة من الناس للتعبير عن موقف اجتماعي أو سياسي، أو
للمطالبة بشيء معين، أو للاحتجاج على موقف ما.. وهذا الشكل من النشاط عرفته
المجتمعات الإنسانية منذ أقدم الأزمنة.
فإذا كان خروج الناس لتأدية
طقوس دينية، أو لاستقبال الحاكم فمن الصعب معرفة أول مرة يخرج فيها الناس على شكل
تظاهرة من هذا النوع.. أما عن تحديد أول مظاهرة احتجاج، فبحسب مصادر تاريخية فإن مصر
القديمة عرفت أول تظاهرة عمّالية في التاريخ، تمثلت في الإضراب عن العمل، وقد جرت
غرب الأقصر قبل 3500 عام، وحينها أعلن كبير الشرطة عن تضامنه مع مطالب العمّال،
ورفضه تفريق المظاهرة بالقوة.
ويمكن اعتبار ثورة العبيد
ضد الحكم الروماني بقيادة سبارتاكيوس من أولى وأهم المظاهرات في التاريخ القديم،
والتي جوبهت بمنتهى العنف والقسوة.
وفي التاريخ الإسلامي،
ينظر بعض المؤرخين لخروج أهل الأمصار ضد الخليفة عثمان بن عفان، وثورة الزنج في
زمن الخلافة العباسية أشهر حركات الاحتجاج المدنية، والتي سرعان ما تحولت إلى ثورات
عنيفة.
ويرى البعض أن المظاهرات
الفرنسية ابّان الثورة التي أسقطت سجن الباستيل وخلعت لويس السادس عشر هي الأولى في
التاريخ الحديث. ولكن وفي مصر أيضا، خرجت أول مظاهرة نسائية عام 1798 واحتجت على
قرار نابليون بهدم المقابر المجاورة للبيوت، وقد توجهت النساء إلى مقر إقامة
نابليون فى الأزبكية وحصلن على قرار بوقف عمليات الهدم.
في تاريخنا المعاصر اشتهرت
العديد من المظاهرات، منها مثلا مظاهرة شاربيفيل سنة 1960 والتي انتهت بمقتل 69
متظاهرا، بالإضافة إلى انتفاضة سويتو 1976، واللتان مثلتا أهم المفاصل في نضال
السود ضد حكومة الأبارتهايد.
وفي أمريكا استمرت مظاهرات
حركة الحقوق المدنية ضد سياسة التمييز العنصري منذ أواسط الخمسينيات حتى نهاية الستينيات،
وانتهت بإقرار الحقوق المدنية وتحريم العنصرية.
وفي الهند قاد غاندي سنة
1930 "مسيرة الملح"، والتي بدأها برفقة 80 شخصا واستمرت 24 يوما قاطعة
نحو 400 كلم وانتهت بمشاركة ملايين الهنود على مستوى البلاد في إعلان للعصيان
المدني ضد الاحتلال البريطاني.
كما شهدت البلاد العربية
العديد من المظاهرات ضد القوى الاستعمارية، وبعد الاستقلال، وضد حكوماتها.. ولعل أهمها
المظاهرات الحاشدة فيما سمي بالربيع العربي، والتي أفضت لإسقاط رؤساء وتغيير أنظمة،
بيد أن بعض البلدان حظرت المظاهرات الشعبية نهائيا، فمثلا في تلك الفترة (2011) أصدرت
هيئة كبار العلماء في السعودية، بياناً نهت فيه بشكل قاطع عن القيام باحتجاجات،
واعتبرت أن المظاهرات "محرمة،"، و"ثقافة دخيلة".
في فلسطين، والتي قد تكون أكثر
بلد في العالم شهدت مظاهرات، فقد خبر الفلسطينيون المظاهرات الاحتجاجية منذ زمن
بعيد، وكانت أولى أشكال المقاومة الشعبية ضد الانتداب البريطاني واحتجاجا على
المشروع الصهيوني.. وكانت النخب المثقفة والجمعيات المسيحية والإسلامية هي التي
تدعو للمظاهرات وتقودها، بالإضافة للجمعيات النسوية.. وكانت أول تظاهرة نسائية خرجت في العفولة سنة 1893 احتجاجاً على إنشاء أول مستوطنة يهودية
على أرضها، كما شاركت النساء في الهبة الجماهيريّة التي اجتاحت مدن وقرى فلسطين
على شكل إضرابات ومظاهرات صاخبة وصدامات مسلّحة استنكارا لوعد بلفور وضد الاستيطان
الصهيوني، كما شاركن في الوفد الذي قابل المندوب الساميّ مطالبًا بإلغاء وعد بلفور. وشاركن في مظاهرات ضدّ زيارة تشرشل للقدس في 1928. وفي العام 1929 نظم المؤتمر النسائي مسيرة مكونة
من 80 سيّارة طافت على جميع القنصليّات الأوروبيّة، للتعبير عن المطالب الوطنية. أما
أكبر مظاهرة فشارك فيها نحو أربعون ألف مواطن جابت شوارع القدس في شباط 1920. لكن انتفاضة
1987 هي العلامة الأبرز في تاريخ الكفاح الفلسطيني.
لا يهدف المقال ولا يتسع للغوص
عميقا في التاريخ، أو دراسة وتحليل "المظاهرات" سيسيولوجيا وسياسيا،
سنكتفي بإيراد بعض الملاحظات على ظاهرة "المظاهرات"، محليا وعالميا..
في بلدان الغرب
"الديمقراطية"، تتسم المظاهرات عموما بأنها سلمية، ومنظمة، وبأعداد
حاشدة (مع خروقات كثيرة، وتحولها إلى صدامات عنيفة أحيانا)، لكن الأهم أن لها مطالب
محددة، وترفع شعارات وهتافات تتناسب تماما مع أهداف المظاهرة. وإن كان أغلبها ذو
طابع سياسي، أو مطالبات عمالية، إلا أنها تخرج من أجل قضايا أخرى مثل البيئة،
المناخ، حقوق الأقليات، الصحة، المثليين، التدخين، مناصرة المظلومين في دول
بعيدة..
في بلدان "العالم
الثالث" لا تخرج المظاهرات إلا من أجل مطالب سياسية، أو احتجاجا على السلطات،
أو احتجاجات دينية، أو لاستعراض قوة وجماهيرية حزب معين، وغالباً يتم قمعها بالقوة
المفرطة..
وما يعنينا هنا تسليط
الضوء على المظاهرات الفلسطينية، وتشحيص سماتها، والإجابة على السؤال الأهم: هل
تعبر المظاهرات عن رأي الشعب بشكل دقيق؟
نلاحظ أن أغلبية المظاهرات
موجهة ضد الاحتلال، حتى المظاهرات المطلبية وذات الطابع الاجتماعي نلحظ في الخلفية
وجود للاحتلال..
في جميع المظاهرات ثمة مشاركة نسوية لافتة،
وبدون تسجيل أية حالات تحرش، أو استنكار لمشاركة النساء.
في بعض الأحداث الساخنة،
يُتوقع خروج أعداد حاشدة، فيتفاجأ الصحافيون بأن عددهم أكبر من عدد المتظاهرين،
وفي أحيان أخرى وخلافا للتوقعات تخرج مظاهرات بأعداد ضخمة جدا، وهذه الظاهرة تحتاج
دراسة معمقة..
المظاهرات الضخمة والناجحة
تحتاج جهة منظمة (غالبا فتح، أو حماس)، بحيث توفر وسائل النقل، والدعاية،
والتحشيد، واليافطات والأعلام.. ومع ذلك شهدنا مظاهرات شعبية ضخمة خرجت بشكل
تلقائي وعفوي.
في المناسبات الوطنية تسمح
الوزارات لموظفيها للخروج والمشاركة في المسيرات، ولكن أغلبهم يذهبون لبيوتهم، ولقضاء
مصالحهم الخاصة.. خلافا لما عهدناه في دول أخرى، حيث الخروج والمشاركة إجبارية..
في المظاهرات الفلسطينية
ازدحام في الشعارات والرايات والهتافات، والتي غالبا ما تكون متناقضة ومتعارضة،
ومن يملك الميكروفون يفرض توجهاته على المسيرة. وأحيانا من هم في المقدمة يهتفون
بشعارات متضاربة مع من هم في الخلف، وهكذا.
ثمة شعارات وهتافات أصبحت
مثل المتلازمة، رغم أنها غير مناسبة، ولا علاقة لها بالحدث، لكن الهتافون يصدحون
بها ويرددها من بعدهم من هم في الدائرة المحيطة فقط، ومعظم المتظاهرين لا يوافقون
على تلك الهتافات، فيظلون صامتين..
مع إنها مظاهرات وطنية،
لكن علم فلسطين هو الغائب الأكبر، وقد حلت محله رايات الأحزاب بألوانها المختلفة..
في الحرب العدوانية على
غزة جابت آلاف المظاهرات مدن العالم، جميعها كانت تنديدا بالعدوان والمذابح الإسرائيلية،
وتأييدا للشعب الفلسطيني، مع رفع العلم الفلسطيني فقط.. ما عدا الأردن والضفة
الغربية؛ المظاهرات تأييدا للمقاومة، وترفع صور أبو عبيدة، وأعلام حماس والإخوان
المسلمين، وأعلام فلسطين بالكاد تُرى..
أما قمع المظاهرات، أو استغلالها
للتخريب والفوضى، أو توظيفها حزبيا، فيحتاج مقال منفصل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق