بعد الحرب العالمية
الثانية نالت معظم الأقطار العربية استقلالها السياسي، وعلى إثر ذلك، تشكل نوعان
من الدولة القُطرية: الأول من بقايا الإقطاع والقوى القبلية والطائفية
والكومبرادور، والتي أصطلح على تسميتها في الأدبيات اليسارية "بالدول
الرجعية". والثاني ما كان إفرازا للمسار الشعبي الوطني، والتي سمت نفسها
"بالدول التقدمية"..
ومع إدراكنا بأنَّ الدولة القطرية جاءت نتاجا لسايكس بيكو، ولكنها أيضا
تشكلت في سياق التحولات العالمية (التي بدأت في أوروبا) وأفضت لتكوّن "الدولة
الوطنية"، وترسيخ مفاهيم السيادة، والحدود، والمواطنة، والاحتكام للقوانين
والهيئات الدولية، وبالتالي صارت لكل دولة مصالحها الخاصة.
المهم أنَّ الدولة
القطرية في المحصّلة وبغض النظر عن تصنيفها، كانت
(وستظل) تعاني من أزمات حقيقية في صميم بنيتها، وهذه الأزمات أفضت لوقوعها
في مأزق كبير، يتلخص في عجزها عن منافسة الدول الكبرى، وفي عجزها عن تأمين متطلبات
بناء الدولة الحديثة، وبالتالي فشلها في تحقيق أمنها القومي، أو الاكتفاء الذاتي،
أو الاستقلال الحقيقي.. وشيئا فشيئا وتحت تأثير الضربات المتلاحقة من قبل القوى
الخارجية، وتأثير تفاقم الأزمات الداخلية، بدأت بالإنكفاء على نفسها، والتقوقع في
شرنقة القطرية الضيقة، حتى تحولت إلى أنظمة بوليسية بجيوش مخصصة لحماية أمن
النظام. وبالتالي فإن المبررات السياسية والسياقات التاريخية التي أنجبت أنظمة
التجزئة جعلتها جزءًا من المعادلة السياسية القائمة، التي فرضتها الدول الغربية، لضمان
أمن إسرائيل، وضمان استمرار هيمنة الإمبريالية على المنطقة العربية، وتسهيل عمليات
سلب ونهب خيرات ومقدرات الأمة، وبالتالي فإن استمرار هذه الأنظمة ظل رهينة بمقدار
ارتباطها بالغرب.
وحتى لو حاولت أية
دولة عربية تبني أية مشاريع وطنية وقومية قد تؤثر على أمن إسرائيل، فإنها بسبب
تشابك مصالح الطبقة الحاكمة مع الغرب، أو بسبب تركيبتها الداخلية، أو بسبب فسادها
فإنها ستفشل في النهاية..
ولو أخذنا أمثلة على
الدول الوطنية التي حاولت النهوض، والتصدي للهيمنة الغربية سنجد أسبابا أخرى
لفشلها، لنعتبر أن مصر والعراق وسورية والجزائر، وتونس، وليبيا تأتي ضمن هذا
التصنيف، سنجد سبيين رئيسين لفشلها؛ الأول: لأنها نظم استبدادية وتوليتارية، لم
تكتفِ بتجاوز واستثناء دور الجماهير، بل إنها أوغلت في قمعهم.. والثاني: تركيزها
على البُعد الأمني في حل جميع مشاكلها والتعامل مع أزماتها الداخلية، وعلى البعد
العسكري في علاقاتها الإقليمية، وفيما ادعت أنه لمواجهة إسرائيل، أو لتحرير
فلسطين..
فتحتَ شعارات التحرير،
وتحقيق التوازن الاستراتيجي أنفق العراق لوحده أزيد من مائة مليار دولار على الإنفاق
العسكري والحربي خلال عقد الثمانينيات، وبدرجات متفاوتة استنزفت سورية ومصر وليبيا
وغيرها مليارات الدولارات على التسليح (لندع مليارات دول الخليج جانبا، فهذه في
سياقات لا علاقة لها بالتحرير ولا بالمواجهة). وخصصت مبالغ متواضعة جدا للإنفاق
على الخدمات والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والجامعات، والبحث العلمي، وتوطين
التكنولوجيا..
وكمثال على عقلية
التسليح والقوة العسكرية؛ في سبعينيات القرن الماضي أتيحت الفرصة لعدد من رؤساء
بلديات الضفة الغربية لمقابلة الرئيس الجزائري هواري بومدين، والذي رحب بهم بحرارة
في بداية اللقاء، ثم سألهم عن مطالبهم واحتياجاتهم، وهنا بدأ الضيوف يتحدثون عن حاجات
مدنية مثل تعبيد شوارع، وبناء مدارس، وتمديد شبكات مجاري..إلخ.. وسط ذهول الرئيس
الجزائري، وإحساسه بالخيبة، التي تحولت إلى غضب، مما جعله ينهي اللقاء سريعا،
مشيرا إلى مساعديه أن يؤمنوا طلباتهم، فيما قال وهو يغادر: كنت أتوقع منكم طلب
أسلحة معينة، وكميات من الذخائر، ومعدات عسكرية، وليس أنابيب مجاري ومواسير وزفتة
شوارع..
وكأمثلة
على سوء الإدارة وانعدام التخطيط: قبل نكسة حزيران، كانت مصر على علم مسبق بنيّة
إسرائيل مهاجمتها، وكانت كل الأجواء والمؤشرات تنذر بحرب وشيكة ومحتّمة، بل إن عبد
الناصر أمر بإغلاق مضائق تيران قبل الحرب بأسبوع، وهي الشرارة التي أطلقت الحرب،
والذريعة التي تحججت بها إسرائيل، وكان عبد الناصر قد سأل المشير عبد الحكيم عامر
عن مدى استعداد الجيش للحرب، فأجابه بثقة بأنه جاهز تماما. ومع ذلك، تفاجأ الجيش
بالهجوم، وخسرت مصر سلاح الجو بضربة واحدة، ثم أصدرت القيادة قرار الانسحاب من
سيناء بشكل ارتجالي وغير منظم، فكانت الهزيمة المنكرة.
وفي
أزمة الخليج التي نشبت عقب احتلال العراق لجارتها الكويت في آب 1990، تحشدت أساطيل
الناتو، وجيوش ثلاثين دولة، على رأسها أمريكا، بترسانتها العسكرية الجبارة.. وكانت
كل المؤشرات تدل على أن الحرب ستنشب لا محالة، وأن الحشود العسكرية ليست
للاستعراض.. وكان بوسع صدام حسين تجنب الهزيمة، وتجنب تدمير العراق، والتقدم
بمبادرة سياسية ذكية، إلا أن تقديرات القيادة آنذاك بأن الحرب ستكون شبيهة بحرب
إيران، وأن الجيش العراقي سينتصر في الحرب البرية.. وراهنت أيضا على المظاهرات
الشعبية التي اجتاحت مدن العالم منددة بالحرب.. ثم صارت الهزيمة..
في
تلك الأنظمة، والتي يحكمها الفرد الواحد، وحيث تُتخذ القرارات الإستراتيجية
والخطيرة دون دراسة، ودون الأخذ برأي الخبراء والمختصين، ودون حتى مشاورة الشركاء
والرفاق، ومع غياب الإستراتيجية والرؤية الواضحة والتخطيط العلمي، وتغييب دور
النخب والمتخصصين، وتغييب تام لدور الجماهير، بل ازدراؤها وقمعها، وتعيين قادة
للجيش لا يتمتعون بالخبرة العسكرية، ووزراء فاسدين.. ضمن هذه المعطيات؛ هل نتوقع تقدما
أم تخلفاً؟ نصراً، أم هزيمة؟
عبد
الناصر وصدام كانا مثالين للقادة الوطنيين المخلصين لشعبهم والمحبين لأمتهم، وكانت
لديهما الإرادة الصادقة للتحرر والانعتاق.. ومع ذلك جلبا للأمة أكبر وأخطر
هزيميتين، كل هزيمة جرت من بعدها سلسلة هزائم، حتى وصلنا للقاع، وما زلنا ندفع
أثمان تلك الهزائم.
المشكلة
ليست في مدى إخلاص القيادة، ومدى صدقها، وليست في صوابية الأهداف، وحسن النوايا،
ولا في الشعارات الثورية.. حتى لو توفر كل ذلك، ستظل المشكلة قائمة وخطيرة؛ طالما
أن القائد محصن من النقد، ومقدس في أعين الشعب، ومحاطا بجوقة من المؤيدين
والمصفقين، ويتم اعتباره رمزا وطنيا، والزعيم الملهم والمخلّص، وجميع قراراته
حكيمة وصائبة دوما، لا ينقدها إلا خائن أو مرجف!
وطالما
لا توجد ديمقراطية ومشاركة مجتمعية، وقيادة جماعية، وحوار متكافئ، ونقد جريء،
ومساءلة، ومراجعات، ومشاورات عميقة قبل اتخاذ أي قرار، وبعده.. سنظل نخرّج قادة
عظام، يجلبون لنا هزائم عظيمة..
وطالما
أنّ كل حزب حاكم وصل إلى السلطة دون انتخابات حقيقية، وبمجرد امتلاكه القوة، أو
ممارسته المقاومة، سينصّب نفسه ممثلا للشعب، ولإرادته، وناطقا باسمه، وسيجره إلى
الحروب، دون مشاورته ودون أن يستفتي رأيه، أو يتفهم حاجاته ومتطلباته، فحاجات
الشعب هي حاجات المقاومة (الحزب الحاكم)، وإرادة الشعب هي إرادة الحزب، وعلى الشعب
أن يضحي بنفسه من أجل الحزب، ومن أجل الزعيم.. ولا قيمة هنا للإنسان..
وإذا
حصلت الهزيمة، سنحولها إلى نصر، طالما أن الحزب بخير، والقائد بخير، والمقاومة
بخير، فنحن حتما متتصرون..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق