في اليوم الأول من محاكمة
إسرائيل كان أداء فريق جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية مبهرا، حيث قام بتحضير
ملف شامل ومتكامل ومتماسك، بحجج قانونية دامغة مدعومة بالصور والوثائق، تثبت أن
إسرائيل تمارس إبادة جماعية من خلال أعمال القتل الممنهج، والقصف العشوائي،
والتشريد والتهجير القسري، والتجويع وقطع الإمدادات الأساسية، وتدمير مقومات
الحياة، وتهديد حياة السكان، وحصرهم في ظروف غير إنسانية.. وإثبات نية إسرائيل
لممارسة الإبادة الجماعية عبر تصريحات موثقة لقادتها السياسيين والعسكريين تحرض
على القتل والتدمير بروح انتقامية مستمدة من خرافات دينية.. مع مطالبة المحكمة
لاتخاذ إجراءات رادعة وتدابير مستعجلة
لوقف المجازر وإنقاذ بقية السكان..
وفي اليوم الثاني، استمعنا
لمرافعة الفريق الإسرائيلي، والتي كانت في أغلبها خطابات إنشائية موجهة للرأي
العام العالمي.. وإدعاء بأن إسرائيل تدافع عن نفسها، والتركيز على هجمات 7 أكتوبر،
وعن ممارسات حماس المزعومة، وأنها حركة إرهابية وتهدد وجود إسرائيل.. إلخ.. أكاذيب
ومزاعم طالمنا سمعناها.. تقلب الحق إلى باطل، والباطل إلى حق.. وافتراءات في قمة
الوقاحة.. لكن العالم بدأ يكتشف زيفهم، ويستنكر إرهابهم وإجرامهم..
المهم في الموضوع أن جنوب إفريقيا،
في مرافعتها وضعت جرائم الإبادة الجماعية في سياق تاريخي متصل بسلوك إسرائيل تجاه
الفلسطينيين من خلال ممارستها وشرعنتها للفصل العنصري منذ 75 عاما، واحتلالها للأراضي
الفلسطينية منذ 56 عاما، وحصارها الخانق لقطاع غزة منذ 16 عاماً. وبالتالي فإنها
محاكمة عامة لإسرائيل، ولتاريخها.
وبالنظر إلى سجل إسرائيل
الحافل بالإجرام، وإلى صمت وتواطؤ المجتمع الدولي معها، فإن هذه المحاكمة موجهة
للعالم كله، وليس لإسرائيل فقط؛ فجرائم إسرائيل واضحة ولا تحتاج إلى دليل، لكن
العالم كان يتعامى عنها، ومع ذلك فإن هذه المحاكمة ضرورية للجم إسرائيل أولاً، وهي
في الوقت ذاته فرصة تتيحها جنوب إفريقيا للعالم ليتخذ الموقف الصحيح من إسرائيل،
وأن يعلن براءته من جرائمها، ومن فكرها الصهيوني العنصري، وهي فرصة أيضا لمحكمة
العدل الدولية لأن تثبت أنها حقا جديرة بهذا الاسم، وفرصة للأمم المتحدة لإنقاذ
سمعة "منظومة القانون الدولي وحقوق الإنسان". وهي آخر أمل يتعلق به أهل
غزة ليس لإنقاذ حيواتهم وحسب، بل ولإنقاذ إيمانهم بمنظومة العدالة الدولية، وبقيم
الإنسانية.. فأهل غزة هم القضاة الحقيقيون الذين يحق لهم إصدار الحكم.
لنتفاءل.. بأن تتخذ
المحكمة قرارا فوريا بوقف الحرب، وأن تدين إسرائيل، لينتهي العصر الذي تتعامل فيه
كدولة مارقة فوق القانون.. وما يستدعي التفاؤل بدء تغير الموقف الدولي وموافقة
مجلس الأمن وبالإجماع على مشروع قرار تقدمت به الجزائر لوقف جميع أشكال التهجير
القسري للفلسطينيين خاصة في قطاع غزة.
انعقاد المحكمة الدولية
لمحاكمة إسرائيل سابقة تاريخية، ورغم أنها خطوة تأخرت 75 سنة، إلا أنها تعطينا بارقة
أمل بعدالة القانون الدولي، وأنَّ هذا العالم ما زال فيه أناس خيرون وطيبون
ومنحازون للإنسانية والعدالة، ويرفضون الظلم والطغيان..
وربما تكون الصفعة الكبرى
لإسرائيل لأن الدعوى أتت من جنوب إفريقيا بالذات؛ فهذه الدولة تتمتع بمصداقية
عالية لدى العالم، وقد اقترنت بمناهضة العنصرية والظلم، وقدمت رسالة حضارية
إنسانية للعالم، تمثلت في قيم التسامح والتعايش، وعندما تقف في مواجهة إسرائيل فإن
هذا يعني أنها تقف في مواجهة العنصرية والظلم والاحتلال..
إضافة إلى كونها دولة متطورة وحداثية ويمكن
تصنيفها ضمن الدول الغربية سيكون صعبا اتهامها بدعم الإرهاب، وبما أنها ليست دولة
عربية ولا إسلامية سيكون متعذرا على إسرائيل اتهامها بمعاداة اليهود، أو
باللاسامية، أو بالتحيز ضد إسرائيل كدولة.. وغير ذلك من اتهامات إسرائيل الجاهزة
دوما ضد كل من ينتقدها. وهذا كله يكسب دعوى جنوب إفريقيا قوة معنوية وأخلاقية..
طبعا إلى جانب قوتها القانونية.
وقد صرح رئيس جنوب إفريقيا
بإنه يشعر بالفخر والاعتزاز وهو يرى محامي دولته بدافعون عن الحق الفلسطيني، وكان
الزعيم الراحل مانديلا قد قال بإن حرية جنوب إفريقيا ستظل منقوصة مالم يحصل
الفلسطينيون على حريتهم..
ومع ترحيب الفلسطينيين
بخطوة جنوب إفريقيا، إلا أنهم يشعرون بالمرارة والحيرة لأن هذه الخطوة لم تأتِ من
السلطة الوطنية، ولا من أية دولة عربية، ومع مشروعية هذه المشاعر إلا أن لامتناع
السلطة وسائر الدول العربية من التقدم بهذه المرافعة بعض المبررات التي قد تكون
محقة..
فهناك تخوف من قيام
المحكمة الدولية بطلب إتخاذ تدابير عاجلة ليس من إسرائيل وحسب، بل ومن الطرف الذي
سيتقدم بالدعوى.. فإذا كانت الطرف الفلسطيني سيُطلب من حماس وقف فوري لإطلاق
الصواريخ والتوقف عن أية هجمات ضد إسرائيل، وربما يُطلب منها الإفراج الفوري عن
الرهائن، أو تسليم مخططي ومنفذي هجمات 7 أكتوبر.. وذلك مقابل مطالبة إسرائيل بوقف
الحرب.. وقد يُطلب من مصر والأردن فتح حدودهما لاستقبال مؤقت لأفواج النازحين،
بذريعة الحفاظ على حياتهم.. كما أن تقدم أي دولة عربية أو مسلمة للمحكمة الدولية
سيعني ضمنا وتلقائيا اعتراف تلك الدولة بإسرائيل.. هذا رأي قانوني يجري تداوله على
منصات التواصل الاجتماعي، ويحتاج تأكيد من خبراء القانون، لكن السؤال، هل هذا هو
حقا سبب امتناع أي طرف عربي أو إسلامي عن التقدم بدعوى إلى المحكمة الدولية؟ هل
كانت هذه المعلومة حاضرة في أذهان صناع القرار؟ أم أن السبب الحقيقي هو الرضوخ
للضغوطات الأمريكية؟ والتقاعص عن إداء واجب وطني وإنساني سيكلفها الكثير..
بحسب تصريحات سفيرة فلسطين
لدى جنوب إفريقيا فإن السلطة الوطنية تعاونت مع جنوب إفريقيا في كل ما يخص الدعوى،
من تقديم وثائق وصور ومستندات وشهادات.. بمعنى أن الخطوة منسقة بين الطرفين، وهذا
ما أثار غضب إسرائيل.. ولنتذكر أنَّ العلاقة مع جنوب إفريقيا ليست كما وصفها بعض
نشطاء مواقع التواصل "بأنها صذيق عرفناه بالصدفة ووقف معنا".. فهي علاقة
بدأت منذ زمن بعيدـ أسسها ياسر عرفات ومانديلا.. فشكرا لروح الزعيم الخالد ماديبا..
فهذا بعض إرثك العظيم.. وشكرا لروح ياسر عرفات، فهذا غرسك الذي أثمر اليوم..
شكرا جنوب إفريقيا، حكومة
وشعبا.. وتاريخا مشرفا..
شكرا لأنكم جعلتمونا نعيش
اليوم الذي نشاهد فيه إسرائيل تمثل أمام القضاء الدولي، تقف وحيدة بائسة مرتعبة،
لتحاكَم على جرائمها..
شكرا، لأنكم منحتم بعض
العزاء لعائلات الشهداء والمكلومين والمقهورين..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق