وُلدنا في نفس الحارة، كان يفصل بيننا خمسة بيوت فقط، وبين ميلادينا ستة
أشهر، يكبرني بها.. في طفولتنا المبكرة كانت "السبع حجار" لعبتنا
المفضلة، وكان أمهر مني في التصويب على "كومة الحجارة"، ثم صارت هوايتنا
كرة القدم، وكان هو دائما صاحب "الفطبل"، ولما ازداد طولنا قليلا تحولنا
إلى كرة السلة، وأيضا كان أمهر مني في إحراز الأهداف..
طوال سنوات الابتدائي في مدرسة الوكالة كنا في نفس الشعبة، كان هو
"عريف الصف"، وكنتُ التلميذ القابع في الزاوية، وفي مرحلة الإعدادي صرتُ
في شعبة "ب"، وهو في "أ"، وكنا نظن أن الشعبة "أ"
هي امتياز خاص، ولما انتقلنا إلى مدرسة الحكومة، اخترت القسم العلمي، فيما توجه
شريف إلى الأدبي، لكن صفّينا كانا متجاورين، في استراحة الدقائق القليلة بين
الحصتين نتبادل التحايا والصراخ كما يفعل المعتقلين في زنازينهم أثناء غياب
السجان، وفي فسحة الربع ساعة نتقاسم ساندويتش الفلافل، وفي طريق العودة إلى بيوتنا
حاملين ربطة الكتب والدفاتر التي تلفّها "مغيطة" كنا نغني سوية ونتبادل
النكات البذيئة بصوت مرتفع لجلب انتباه طالبات الثانوي ذوات المريول الأخضر، وبعد
الغداء وفي أقل من ساعة نلتقي مجددا في "العريشة" التي أعدها شريف فوق
سطح بيته وهناك علمني تدخين السجائر، نظل فيها حتى المساء، أو نعود معاً إلى ملعب المدرسة
لخوض مباراة في كرة السلة، كانت تنتهي في أغلب الأحيان بفوزه..
كان شريف حكاءً ماهرا، ومتحدثا من الطراز الأول، كان يجيد سرد القصص بأسلوب
مشوق، ولديه قدرة على مواصلة الكلام لساعات متواصلة، يتنقل من موضوع إلى آخر، ومن
قصة إلى أخرى بخفة مدهشة.. فيما أنا لا أفعل شيئا سوى الإنصات والانبهار والانفعال
مع إيماءاته وحركات جسده ومتابعة تعابير وجهه، والضحك من قلبي على نكاته..
وكان لشريف أصدقاء كثر، بل قل إن المدرسة كلها تعرفه، وتتقرب منه، بيد إني
كنتُ صديقه المفضل، والوحيد الذي يعطيه جل وقته واهتمامه.. كان هذا يسعدني كثيرا،
ويشعرني بأهمية خاصة.. كنت أحبه جداً، وإذا غاب عني سويعات أبادر للاتصال به، أو
سؤال أمه أين شريف؟
لم أفهم حينها سبب تعلقي به، رغم أنه متفوق عليَّ في كل شيء؛ في الرياضة،
في العلاقات العامة وكسب الأصدقاء، في مقارعة من هم أكبر منا، في جرأته مع
الفتيات.. وكنت أحاول تقليده وأفشل، أغار منه ثم أتراجع أمام محبته لي.. كنت أراه
تعويضا عن نقصي ومثالبي وهشاشة شخصيتي.. أراه يحاجج والده ويعامله كندٍ له، فأحاول
التمرد على أبي فلا استطيع، بل أخضع فورا لأوامره ولا أقوى حتى على النظر في وجهه..
أسمع منه عن علاقاته العاطفية، فأجرب أن أن أتقرب من أي فتاة في طريقها إلى
المدرسة فأخجل وأتلعثم وأشفق على نفسي.. وحين نجتمع ثلة من الأصدقاء أراه يتصدر
الحديث والكل منصت له بإعجاب، فأحاول أن ألقي نكتة فأتردد وأخاف ألا يضحك أحد، أو
أسرد قصة عني مثلا فلا أجد أي شيء يستحق الحديث، أحاول أن أعلّق بجملة فتنحبس
الكلمات في حلقي وأظل ساكتا بانتظار أن يأتيني الدور..
كان تنتابني رغبة خفية أن أكره صديقي هذا، كنت أتمنى أن أراه يتعثر، أو
يتعرض لموقف محرج، أو أن أسمع أنه تعرض للتنمر.. أي شيء المهم أن أراه مثلي خجولا
ومنكسراً.. كنت أريد بشدة أن أرى ضعفه لأتأكد أنه عادي وطبيعي مثلنا، وأنّ ضعفي
أيضا عاديا وطبيعيا.. ولكني أمام دماثته وخفة ظله سرعان ما أحبه من جديد..
أكثر ما كان يحيرني ليس قدرته
المدهشة على سرد القصص والحديث عن مغامراته وصولاته وجولاته، ما حيرني فعلا متى
وكيف يتسنى له الوقت لخوض كل تلك المغامرات! ولعيش تلك التفاصيل! فإذا كنا معاً
طيلة الوقت منذ كنا نلعب "الغميضة" حتى تخرجنا من الثانوية، في نفس
الحارة، لا نفترق إلا أثناء النوم.. فمن أين يأتي بكل هذا الوقت؟ وبكل تلك القصص؟
ذات يوم، اقترح عليَّ أن نذهب في اليوم التالي إلى الجامعة الأردنية، تحمستُ
لفكرته، خاصة بعد أن وعدني بأن يعرفني على صديقاته الفاتنات هناك، وأن نزور كلية
العلوم، نظرا لعلاقته المميزة مع عميد الكلية، خرجنا بعد الظهر، وقد انضم إلينا أصدقاء
جدد حتى صرنا سبعة، منذ بداية الطريق استلم شريف دفة الكلام، سيطرة كاملة على الجو،
يلقي النكات والتعليقات، ويسرد القصص تباعا، والجميع مصغٍ باهتمام، ويضحك بأعلى
صوته.. حاولت إقحام نفسي بأي شكل بلا جدوى، لم أفلح حتى بمشاركة تعليق واحد، فالكل
منتبه لشريف، شعرتُ بالضآلة، بل قل إني شعرت بالهزيمة الكاملة.. فقررت الانسحاب
بهدوء، وعدت أدراجي للبيت.
في اليوم التالي وأثناء "الفرصة"، أخبرني بعض من كانوا في مشوار
الأمس أن حراس الجامعة منعوهم من الدخول، والبعض تحدث عن مطاردة ساخنة مع الأمن
بعد أن أثاروا بعض المتاعب.. في المساء كان شريف يلومني عن انسحابي المفاجئ، وأنني
فوتت الفرصة للتعرف على "سيرين"، وإني خسرت لقاء هاماً مع عميد الكلية
الذي أشاد بذكائه الفذ، وتنبأ له بمستقبل باهر.
أحيانا يغيب عني يوما كاملا، فيأتي في اليوم التالي ويخبرني عن بدء علاقة
حب مع فتاة تشبه "هيمامالايني" تماما، حسناء الأفلام الهندية.. وبعد شهر
يغيب يوما آخر، ثم يعود ويخبرني عن عثوره على فتاة أحلامه الجديدة، بعد أن انتهت
قصته الأولى نهاية حزينة، وهذه المرة يعثر على نسخة مطابقة عن ميرفت أمين، لكنها
ليست فنانة، ومستعدة لتكريس حياتها من أجله..
وبعد أسبوع يغيب عني من بعد الظهر حتى مساء اليوم التالي، نلتقي لألومه عن
تغيبه المفاجئ، فيخبرني معتذرا أنه كان
مضطرا للذهاب إلى حارة "أبو دواس" لحسم خلاف قديم مع عصابة شريرة.. ثم
يشير إلى يده الملفوفة بشاش طبي أبيض.
وبعد أسبوعين يغيب يومين كاملين، وحين نلتقي يعتذر مني بشدة لأنه لم يستطع
دعوتي إلى رحلته المدهشة والمثيرة على شاطئ البحر مع أصدقاء وصديقات جدد، معللاً
ذلك بأنَّ هؤلاء من خريجي مدارس "الفرير" ومن الصعب أن أنسجم معهم،
وربما لا أفهم إنجليزيتهم، وقد لا أحبذ المبيت في خيمة كشفية.. لكنه وعدني أن
يصحبني في المرة القادمة، وأن يعرفني على "ميساء"..
بعد ثلاثة أسابيع يغيب يوما آخر، وعند لقائنا سيخبرني أنه شارك مع نادي
النجوم في مباراة حاسمة، وأنه سجّل ثلاثة أهداف؛ الأول برأسه، والثاني من ضربة
جزاء، والثالث من ركنية تلقاها بقدمه اليمنى ليحولها بضربة قوية إلى الزاوية
تسعين، ثم يشير إلى جبيرة تغطي ساقه حتى الركبة، فقد اضطر الفريق الخصم لمحاصرته
وركله بقسوة حتى لا يشارك في بقية مباريات الدوري..
كان لشريف صديق آخر اسمه "خميس"، لم أره قط، لكنه طالما حدثني
عنه، وعن شجاعته، وذات مساء أخبرني بصوت خفيض من يضيع سراً، أنهما يخططان في الصيف
المقبل لرحلة إلى تنزانيا، وتحديدا إلى السفاري.. وحين رجوته أن يصحبني معهما،
اعتذر بخجل، لأن الرحلة على حساب "خميس"، وأنَّ "خميس" ينوي
القيام بصيد بعض الأسود أو الفيلة مع مجموعة خارجة عن القانون، وأنت تعرف أن الصيد
هناك غير شرعي، والأفضل ألا تعرض نفسك للخطر..
وكان لشريف عدو شرس وحاقد اسمه أبو حديد، مفتول العضلات، وطوله مترين،
ويسكن تحديدا في حارة أبو دواس التي طالما حدثني عنها.. وقد قرر شريف أخيرا أن يضع
حداً له.. حينها صممتُ بشدة أن أذهب معه هذه المرة، وبالفعل ذهبنا.. وحارة أبو
دواس لمن لا يعرفها تقع في آحر الحي الشرقي، وهي عبارة عن شارع ضيق، ومفصول عن
الحي بتلة ترابية، ولا تصلها السيارات لوعورة الطريق، لذلك لم يسبق لي التشرف
بزيارتها، حتى أن معظم الناس لا يعرفونها، فقط يسمعون عنها، ويتداولون قصصا غامضة
عن عصابة شريرة تغير على المحلات وتأخذ الأتاوة منهم غصبا.. المهم أننا خرجنا
عصرا، كان شريف يحمل "موس" قرن الغزال، ويرتدي نظارة سوداء، وتقاطيع
وجهه تنبئ بغضبٍ عارم؛ الأمر الذي منحني شعورا بالأمان والثقة، بل زاد من حماستي..
وصلنا بعد ساعة من المسير، دخلنا الحارة، شاهدتُ بعض الأولاد يلعبون
"كمستير"، وفتاتين تمشيان على استحياء، وبعض المسنين يجلسون على قارعة
الطريق يتحدثون بصوت مرتفع وأحدهم يدخن الأرجيلة، وفي الركن بقالة صغيرة اشترينا
منها زجاجتي بيبسي.. ولم نجد أبو حديد.. ولا أحد من عصابته.. فعدنا أدراجنا خائبين.. التفت شريف نحوي قائلاً
بغضب وانفعال وبصوت حاد: شايف، مش قلتلك؟ ولا أخو شرموطة منهم استرجى يطلع من
بيته.. بس وين بده يروح؟ آخرتي أمسكه..
ومن كثرة ما حدثني عن ميساء، شبيهة ميرفت أمين، رجوته أن يعرفني عليها،
ووعدته ألا أنافسه على قلبها، فوافق.. طلب مني أن آتي في الغد تمام السادسة مساء
إلى كافتيريا الملتقى، حيث سيكون مع ميساء يشربان البيرة.. وأن أدّعي أنني أتيت
بالصدفة.. وفعلاً ذهبتُ في الموعد المحدد وقلبي يخفق بشدة، وكلي فضول أن أرى ميرفت
أمين.. جلستُ على طاولة في الزاوية وبقيت أنتظر ساعتين.. ولم يتبقَّ معي ثمن فنجان
قهوة آخر، وكل خمس دقائق يأتي النادل ليسألني تشرب شي؟ إلى أن اضطررت للمغادرة..
في اليوم التالي يعتذر شريف مني، ويخبرني أن أهل ميساء عرفوا بقصة حبهما، ولأنهم
يرفضون العلاقة، ويخافون مني، قاموا بتسفيرها فجأة إلى أمريكا.. ثم يضيف: لقد وقع
الخبر على قلبي كالصاعقة.. ثم أخذ يجهش بالبكاء..
وذات يوم، كنا نسهر في "العريشة"، ندخّن ونستمع لأم كلثوم، وفجأة
أخرج من حقيبة كانت تحت الطاولة مغلفاً ورقيا سميكاً أبيض اللون، وملفوف عليه شريط
لاصق، وعليه عبارة "سري للغاية".. ثم نظر إلي بتحدٍ وعصبية قائلا: شايف
هذا الكيس؟ قلت له نعم. قال: فيه صور ورسائل خطيرة جدا، لو تسربت إلى الصحافة ممكن
أن تقلب البلد فوقاني تحتاني، أرجوك عدني ألا تخبر أحدا عنه، وإذا مت لا تفتحه إلا
بعد خمس سنوات من دفني.. رجوته أن يخبرني عما يحتويه الكيس فرفض بشدة، ولم تفلح كل
توسلاتي، التي حسمها بقوله: لا أريد تعريضك للخطر.. وحينها استسلمت وقررت أن أنسى
الموضوع..
مضت الأيام بسرعة، سافرتُ أنا إلى العراق لأكمل دراستي الجامعية، فيما بقي
شريف في البلد، وقد التحق بالكلية الأهلية، ومن حينها انقطعت أخباره عني، وانشغلتُ
بعوالمي الجديدة، مكتفيا برسائل مقتضبة متبادلة بيننا، صارت تتباعد شيئا فشيئا حتى
انقطعت كليا..
بعد خمس سنوات عدت إلى الوطن، ولم تمضِ سوى ثلاثة شهور حتى تم اعتقالي،
وأمضيت عشر سنوات كاملة في السجن، ومن بعدها التحقتُ بوظيفة عمومية منقطعاً عن
الناس ومعتكفا في منزلي..
لم يغب شريف عن بالي، عرفت أنه اشتغل في تجارة السيارات، وأنه صار ثريا،
وعضو برلمان.. فقد كنت أراه على شاشات الفضائيات، وتحت صورته مسميات مختلفة: محلل
سياسي، وقائد ميداني، وخبير إستراتيجي، رجل الأعمال، وعضو البرلمان المعارض..
اشتقت لجلساته وسهراته وقصصه المشوقة.. وبعد غياب عشرين سنة قررت الاتصال
به، كان صوته سعيدا جدا ومرحبّا بشدة للقائي، دعوته لمنزلي وقد أعددت جلسة مريحة،
وكمية من البيرة والمشروبات والمسليات والبُشار والسجائر تكفي لسهرة متصلة قد تمتد
لأسبوع كامل، لتكفي لسرد قصصه ومغامراته التي امتدت لعشرين سنة، ومن المؤكد أنها
ستتضمن صولاته وجولاته في مقارعة الاحتلال، والمعارضة السياسية، ولقاءاته مع
الزعماء العرب وقادة الأحزاب اليسارية الأوروبية..
كان لقاءا حميما يفيض بالمشاعر والأشواق وقصص الطفولة وذكريات الشباب..
وأثناء حديثه المتواصل بلا توقف والمتدفق بغزارة انتهزتُ فرصة سكوته لبرهة، وقلت
له:
- عندي طلب صغير.. لو تكرمت..
- أبشر، ولا يهمك، أطلب عيوني يا رجل..
- بارك الله فيك، ما بتقصر.. أخي أبو الصادق..
- خير، طمني، شو بقدر أخدمك؟
- ابني الصغير مريض، ويحتاج عملية جراحية، وأريد تحويلة
طبية إلى المستشفى التخصصي.
- بس هيك، الله يسامحك يا زلمة، لو إنك خبرتني قبل يومين،
يوم أمس كان الاجتماع الأخير في دورة المجلس التشريعي، كان طرحت قضيتك عالمجلس،
وحليتها بخمس دقائق..
- طيب خلص بسيطة، نستنى دورة المجلس الوطني القادمة، وأكيد
رح تقدر تحصل على الأغلبية للتصويت عالقرار..
- طبعاً، طبعاً.. ولا يهمك.. ولو؟؟ موضوعك عندي..
ولك أألوووووووووو..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق