أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

نوفمبر 23، 2023

في توصيف الحرب وأنفسنا والعرب والعالم

 

في توصيف الحرب ومجرياتها وأحداثها المهولة يكثر استخدام وصف "غير مسبوق"، وكأنها صارت متلازمة، مثلا: لأول مرة في تاريخ الصراع يتم مهاجمة العدو في "أرضه"، " وهذا حدث غير مسبوق.. وفي توصيف شجاعة المقاومين يُقال: شجاعة غير مسبوقة، لم نعهد مثلها من قبل، استبسال غير مسبوق، الضرب من المسافة صفر..

وفي وصف همجية العدو يُقال: عنف غير مسبوق، قصف لم يحدث مثله في التاريخ، همجية غير معتادة، الحرب فضحت عنصرية وهمجية إسرائيل..

وفي وصف تخاذل وضعف الموقف العربي، يُقال: العرب تخلوا عنا، الحرب كشفت التخاذل العربي.. وكذلك يُقال في وصف موقف الدول الغربية المتواطئ وعوار المجتمع الدولي، ويتم الحديث عنها كما لو أنها تحدث لأول مرة، وكأن الغرب لم يعودنا على ازدواجية معاييره، وكأننا كنا ننتظر منه موقفا مغايرا وعادلا! وبنفس النمطية يتم الاستغراب والتفاجؤ من الانحياز الأمريكي السافر..

في واقع الأمر لم يكن من الخطأ استخدام هذه التوصيفات أثناء الحرب، باعتبارها أسلحة إعلامية فتاكة في مواجهة آلة العدوان، كما لم يكن من الحكمة الاعتراض عليها أثناء العدوان، لكن هذا لا يعني أنها توصيفات دقيقة، سيما وأنَّ البعض يكثر من استخدامها لأغراض سياسية، لبث رسائل ضمنية توحي بأن تاريخ الكفاح الفلسطيني بدأ مع هذه الحرب، أو في سياق الخطاب الشعاراتي الذي اعتدنا عليه..

وفي حقيقة الأمر لم يكن هجوم السابع من أكتوبر حدثا غير مسبوق في تاريخ العمل الفدائي يتم فيه مهاجمة العدو في عقر داره، ولدينا عشرات الأمثلة عن عمليات فدائية في قلب المدن الإسرائيلية.. أما عن شجاعة مقاتلي القسام والجهاد الإسلامي فهي موضع تقدير وإجلال دون تردد، بيد أنها ليست حالة فريدة ومنقطعة في تاريخ النضال الفلسطيني، وليست غريبة عن شعبنا، ففي كل مراحل الثورة، وفي كافة المعارك والمواجهات السابقة على مدى الخمسين سنة الماضية كنا نرى أمثلة رائعة للشجاعة والإقدام واستبسال الفدائي الفلسطيني، حتى المسافة صفر ليست جديدة، ففي معركة الكرامة التحم الفدائي مع الدبابة من المسافة صفر، بل وبالسلاح الأبيض والحراب، وفي حرب بيروت كان حتى الأطفال يقصفون الدبابات بالأر بي جي..

وكذلك الأمر ما يتعلق بالحصار والجوع والمعاناة والتضحيات، فبدون أدنى شك تعرض أهلنا في غزة لحصار ظالم وخانق، وعانوا الأمرين، وتألموا وجاعوا وخافوا، وخسروا أحبتهم، وتهدمت بيوتهم، وتقطعت أطرافهم.. وهذه مأساة كبرى وفاجعة أليمة يصعب وصفها أو اختزالها بالكلمات، وستظل محفورة في ذاكرة الأجيال.. ولكن أيضا تعرض شعبنا من قبل لأهوال ومآسي ومجازر وحصار وجوع ونكبات.. ولا يتسع المجال لذكر أمثلة، لكن شعبنا يعرفها تماما، وفي كل مرة كنا نقول هذه أخطر مرحلة، وهذه أصعب مأساة.. النكبة، اللجوء، النكسة، أيلول الأسود، تل الزعتر، الليطاني، حصار بيروت، حرب المخيمات، الانتفاضة الأولى والثانية، حصار المقاطعة، جنين... ومن غير اللائق مقارنة مأساة بأخرى، فهي سلسلة متصلة من العذابات والآلام عاشها الشعب الفلسطيني طوال السبعة عقود الماضية في الوطن والشتات.. 

رغم الأحزان العميقة، وفداحة الخسائر وشدة الألم، إلا أنها ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها شعبنا للظلم والقتل والتهجير والتجويع، وليست المرة الأولى التي تتخاذل فيها الأنظمة العربية، وليست المرة الأولى التي يتعامل معها العالم بازدزاجية وعنصرية مقيتة؛ ومن الغريب بعد كل هذه العذابات والحروب والحصار والتشريد والمؤامرات ضد الثورة الفلسطينية أننا لم نعرف بعد طبيعة الأنظمة العربية، وارتباطاتها، ودورها الوظيفي، ثم نتفاجأ! ونستغرب من خذلان الدول العربية.. ولم نعرف بعد طبيعة النظام الدولي وتركيبة المجتمع الدولي، وطبيعة التحالف الأمريكي الصهيوني لنتفاجأ كل مرة بازدواجية المعايير، ونشعر بمرارة الظلم والخذلان وكأننا لم نختبره من قبل عشرات المرات!

أما عن صورة إسرائيل فهي ليست المرة الأولى التي يعرف فيها العالم أن إسرائيل كيان غاصب ومعتدي وظالم ويمارس العنصرية ويرتكب المجازر وجرائم الحرب، وينتهك حقوق الإنسان، ويخالف القانون الدولي، ويقتل ويدمر.. وقد سبق للأمم المتحدة أن أصدرت قرارا بأغلبية ساحقة في العام 1975 يعتبر فيه أن الصهيونية حركة عنصرية ومعادية للإنسانية.

وفي الوقت ذاته، وللدقة والموضوعية يتوجب الإقرار بما اتسمت به هذه الحرب؛ فقد تميز الهجوم المظفر في السابع من أكتوبر بكونه أول مرة في تاريخ الصراع يتم فيها مهاجمة العدو بهذا العدد الكبير جدا من المقاتلين، في هجوم واسع وشامل ومتعدد الجبهات، كبّد العدو أكبر عدد من القتلى والجرحى في يوم واحد منذ تأسيس الكيان.. وهذه أول مرة يتم فيها أسر هذا العدد الكبير من الأسرى الإسرائيليين.

وهذه أول مرة ليس في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، بل وفي تاريخ الحروب كلها يتم فيها تصوير الحرب يوما بيوم وساعة بساعة ومن قلب الميدان وفي بث مباشر وبمتابعة حثيثة ومتواصلة على كافة القنوات العربية والأجنبية، ويتم متابعتها في كبريات الصحف العالمية، ومختلف وسائل الإعلام، وأضيف لكل ذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت كل فرد في العالم يتابع الحرب ويطلع على مجرياتها أولا بأول بالصوت والصورة.. لذا كان الفلسطينيون يأملون من الدول والشعوب والعالم أن ينصفهم، ويدرء عنهم العدوان، ويوقف المجازر الدموية الفظيعة، سيما وأن الجميع يراها مباشرة.. وفي هذه الحرب خسرنا أكبر عدد من الشهداء والجرحى في تاريخ الصراع، بأرقام فاقت تضحيات النكبة 1948. وفي هذه الحرب استشهد أكبر عدد من الأطفال في تاريخ النزاعات المسلحة حول العالم.

وبسبب التغطية الإعلامية الشاملة لأول مرة ينكشف النفاق الغربي، أو بتعبير أدق هذه المرة انكشف بوضوح وجلاء، لدرجة أن شعوب العالم باتت تشك في مصداقية القيم الغربية، وباتت متأكدة أن الدول الكبرى والمنظمات الدولية متواطئة وعاجزة.

 هذا هو العالم الذي نعيش فيه، وهذا عدونا بكل بشاعته وجبروته وبطشه.. وليس أمامنا سوى مواصلة الكفاح والصمود، حتى تشرق شمس الحرية يوما ما.. ولعله بات قريبا..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق