أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أكتوبر 12، 2023

الحرب النفسية

 

في كل الحروب والصراعات تلعب الحرب النفسية أدوارا توازي بأهميتها وخطورتها ما تفعله الآلة العسكرية والأمنية، وربما يكون خطرها وتأثيرها أكبر وأطول أمدا، ببساطة لأن هدفها الإستراتيجي هو الوعي الجمعي، وأهدافها الآنية بث الإشاعات وخلق الإرباكات ونشر الخوف والذعر والفوضى واختراق الجبهة الداخلية..

الأداة الرئيسة للحرب النفسية هي الإعلام، وقد وظف الإسرائيليون الإعلام بشكل احترافي في حربه النفسيه على الفلسطينيين منذ اليوم الأول للاحتلال.. في محاولة منه لكيّ الوعي الوطني، وتدجين الإرادة الوطنية، وتطويع العقل الفلسطيني والسيطرة عليه، ويستخدم في حربه هذه بالإضافة للإعلام شبكة عملائه، ويستفيد من نقاط الضعف وسلبيات المجتمع..

وفي هذه الحرب العدوانية على غزة تتصاعد الحرب النفسية بشكل خطير، ومن أساليبها المستخدمة الآن: اتصالات هاتفية تأتي من مجهولين تطلب من سكان غزة مغادرة البيت لأنه سيتعرض للقصف (وهذه تختلف عن بعض الإتصالات التي تنذر قبل القصف فعليا)، واتصالات أخرى تطالب بالتوجه إلى سيناء، وأنّ لا نجاة لكم إلا إذا غادرتم القطاع.. والهدف إثارة الرعب والفوضى والدفع بالناس للرحيل..

ولأن إسرائيل أعلنت "حالة الحرب" وفرضت حالة الطوارئ فإن هذا يعطي صلاحيات إضافية للأمن في الرقابة على الإعلام الإسرائيلي، وهو لن يكتف بتقييده، أو فرض عليه حجب معلومات معينة، بل والأهم الترويج لأخبار كاذبة، وصياغة الأخبار والتصريحات بالأسلوب الذي يحقق أهدافها السياسية..

لذلك، لا تصدق كل خبر تسمعه، خاصة إذا كان مصدره إسرائيلي، لا تتعامل مع تصريحات القادة الإسرائيليين على أنها حقائق، وأن مزاعمهم صادقة، وأن توجهاتهم وأهدافهم ستتحقق بالضرورة.. الكذب والخداع هي سمة الإعلام الإسرائيلي، ليس اليوم، بل هي كذلك دائما..

لا تصدق كل ما تسمعه أو تراه، تقنيات الذكاء الصناعي تتيح حتى لأي هاوٍ أن يتلاعب بالصورة أو بالفيديو أو بالصوت، أو باقتطاع أجزاء وبث أجزاء أخرى، ونزع الكلام عن سياقاته.. وهكذا.

لا تصدق حتى القنوات الفضائية العربية، فبعضها متورط في الحرب النفسية عن قصد، وبعضها دون قصد، وتأكد أنه لا يوجد إعلام محايد، وبدون توجهات وأجندات..

والأهم، لا تصدق ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها مصدر غير موثوق للأخبار، وأغلبية من يتداولون الصور والفيديوهات والأخبار بلا خبرة أمنية، الكثير منهم يعملون بحسن نية ونوايا طيبة، وبعضهم كل همه تجميع اللايكات وجذب المشاهدات.. لكن تأكد أن هناك جهات متخصصة (إسرائيلية وفلسطينية وعربية) ولديها خبرات وإمكانيات كبيرة وتعمل على بث رسائل معينة لأغراض سياسية وحزبية وأيديولوجية..

تخلص أولاً من عقدة الأجنبي المتفوق، سواء كان خبيرا إستراتيجيا، أو جنرالا متقاعد أو بروفيسور جامعي أو نائبا في البرلمان، مهما كانت صفته وتخصصه ومركزه، تأكد أن هؤلاء أولاً بشراً، ولديهم النزعات الآدمية العادية، قد يكذبون، وقد يجهلون، وقد يكون هدفهم الشهرة، أو جلب الانتباه، أو التضليل لأهداف محددة..

تخلص من وهم أن الزعيم الذي تؤيده، والقائد الذي يمثل حزبك، والمفكر الذي تحبه، والمنظّر الذي يتساوق مع أفكارك وتوجهاتك وابن بلدك وابن عشيرتك وابن حزبك.. أنَّ هؤلاء جميعا دوما على صواب، ولا يقولون إلا الحق.. هؤلاء أيضا بشر، يصيبون ويخطئون، ولديهم نزعات الخير والشر، ولديهم اهتماماتهم وطموحاتهم الشخصية..

حين ترى صورة أو تشاهد فيديو أو تسمع خبرا أو تحليلا سياسيا فكر قليلا، لا بأس بتشغيل دماغك لبعض الوقت.. فكّر وتحقق وقارن قبل أن تصدّق، وقبل أن تنشر وتعمّم.. لا تكن ببغاء.. أو مجرد وعاء يملؤه الآخرون بأفكارهم.. أنت جزء من وعي جمعي، وجزء من الرأي العام، والكل مستهدف.

في حالة الحرب المشتعلة ضدنا حاليا من الجهات الأربع، أخطر ما يهدد جبهتنا الداخلية الطابور الخامس، بغض النظر عن النوايا والأهداف انتبه لنفسك ولا تكن جزءا من هذا الطابور.. لا تنشر ما يبث اليأس والإحباط، ولا تتداول الأخبار الزائفة، ولا تجمح بخيالك، ولا تتعامل مع تحليلاتك الشخصية وكأنها مسلّمات، فإذا كنت متشائماً، قد تسهم دون أن تعلم في بث الفوضى والرعب وإضعاف المعنويات، لا تصدق عدوك، ولا تخضع لتهديداته..

وهذه الحرب النفسية تستهدف اليوم بالذات الحاضنة الشعبية للمقاومة، تريد شيطنة المقاومة، وتحميلها كل مسؤولية الدمار والخراب، إضافة لتشويه صورتها بمزاعم كاذبة.. وبالتالي عزلها عن محيطها الجماهيري، والاستفراد بها.. 

هذا وقت التعاضد وتمتين الوحدة الوطنية ورفع المعنويات وتعزيز الصمود، وليس وقت المناكفات الحزبية والتناقضات الهامشية والحسابات الفئوية الضيقة.. هذا وقت الكفاح والعطاء..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق