منذ اليوم
الأول لاندلاع الحرب العدوانية على غزة، والناس تطرح أسئلة محيرة: أين جماهير
الضفة؟ أين فتح؟ وأين السلطة؟
وهي أسئلة
مشروعة دون شك، لكنها قاسية، والإجابة عليها ليست هينة بالمرة؛ فليس أسهل على أي
كاتب متملق تبرير وتسويغ وفلسفة الأمر.. وليس أسهل على أي كاتب أيديولوجي أو حزبي
له مواقف مسبقة كيل الاتهامات ضد السلطة ووصفها بالتخاذل والجبن والخيانة.. أو تحميل
حماس مسؤولية "الكارثة" التي حلت بالشعب الفلسطيني.. وفي كل الحالات
ستضيع الحقيقة، وسندخل في دوامة المناكفات والخطابات الشعبوية وتصفية الحسابات
الحزبية..
في محاولة
للإجابة لنقسم الموضوع إلى أجزاء يسهل فهمها، ومن ثم الربط بينها، ولنبدأ بموقف
السلطة الرسمي، والذي هو بلا شك موقف لم يرقَ إلى مستوى أهمية الحدث، وثمة غياب
مريب وغير مفهوم للقيادة وتحديدا في الساحة الإعلامية، إذ كان من المفترض أن يخرج
الرئيس على الشعب بخطابات متتالية يعبر فيها عن موقف واضح وقوي، ويرفع معنوياتهم،
ويؤكد على مشروعية النضال الفلسطيني.. وفي المرات القليلة التي ظهر فيها لمست
الجماهير منه موقفا باهتا..
حتى اجتماعات
اللجنة التنفيذية وغيرها لم ترقَ إلى المستوى المطلوب، ولم تلبِّ طموح الجماهير، ولم
تخرج بمبادرات سياسية أو بقرارات ميدانية.. ولا أحد يعرف ما هي قراراتها ونتائجها.
أما غياب فتح
عن المشهد فهو لا يقل ريبة وغموضا، ولا يليق بمكانتها في الضمير الفلسطيني، ولا
يتوافق مع إرثها النضالي، ولا مع دماء شهدائها، ولا مع وصايا قادتها التاريخيين..
غياب غير مفهوم وغير مبرر.. حتى على مستوى بيان من اللجنة المركزية! أو أن يخرج
قادتها يلوحون بقضبة من غضب، ويدعون للنفير العام، كما كان يحدث دائما!
فتح التي فجرت
الثورة الفلسطينية المسلحة، وقادت انتفاضتين شعبيتين كبيرتين، ولم تغب عن ساحة النضال
يوما، نراها اليوم على هامش الحدث!
هذا الغياب
خلق حالة سخط شعبي، خاصة وأنّ مشاهد الحرب مفجعة ومؤلمة، وتجعل الناس في حالة ترقب
وقلق، بأعصاب مشدودة، تصل أحيانا إلى مرحلة الهياج العاطفي..
ومع كل ما
سبق، ومن باب الموضوعية والإنصاف، يتوجب التفكير بعقلانية والحديث بأمانة ورؤية
الجانب الآخر في موقف السلطة..
بداية،
وبالرجوع إلى الستة عشر سنة الماضية، أي الفترة التي سيطرت فيها حماس على غزة،
وكانت حماس آنذاك تنفق كل الأموال التي تتدفق إلى خزينتها على تجهيز وتطوير بنيتها
العسكرية كحفر الأنفاق وصناعة الصواريخ وغير ذلك.. وكانت السلطة تتولى كافة مصاريف
قطاع غزة الأخرى (التعليم، الصحة، الكهرباء، البلديات، الجهاز الحكومي،
الخدمات..إلخ)، وكانت تدفع رواتب عشرات آلاف الموظفين، وتساهم بنسبة كبيرة في
التقليل من البطالة، وتتولى تقديم مساعدات نقدية للفئات الفقيرة والمهمشة..إلخ،
وبالتالي كانت السلطة تعمل على إزاحة عبء كبير جدا عن كاهل حماس، الأمر الذي حال
دون الانفجار الشعبي في وجهها، ومكنها من المضي قدما في مشروعها العسكري..
سواء كان ذلك
عن قصد، أو لأن هذا واجبها ومسؤولياتها.. المهم أنها لم تتخلَّ عن غزة.. وهذا يشبه
ولكن بصورة معاكسة الدور الذي كانت تقوم به إيران، حيث أنها أنفقت مئات ملايين الدولارات
على تطوير قدرات حماس العسكرية، ولكنها لم تنفق فلسا واحدا على التعليم أو الصحة
أو البنية التحتية، أو ما يدعم صمود الناس.
بمعنى آخر،
إذا كانت إيران دعمت حماس بالسلاح والتدريب، فإن السلطة دعمتها بطريقة غير مباشرة
بالإنفاق على أوجه الحياة ومرافقها المختلفة لسكان القطاع.. والأمرين كانا ضرورة
وشرطا لنجاح حماس..
الأمر الثاني
بعد اندلاع الحرب؛ حيث قامت السلطة بأدوار مهمة في المجالات السياسية والدبلوماسية
والإعلامية لإيقاف الحرب، وإدانة الهجمات الإسرائيلية، والدفاع عن صورة المقاومة
في المحافل الدولية، وللحيلولة دون إدانة حماس ودعشنتها.. أما الخدمات اللوجستية
والإغاثية فهي جاهزة، والجميع يعرف مدى صعوبة إيصالها، لدرجة أن الأمم المتحدة
والصليب الأحمر ومنظمات دولية كبيرة ودول مستقلة كمصر وغيرها عجزت عن إدخال المواد
الإغاثية إلا بالقدر الذي سمحت به إسرائيل.
وقد أعلنت
السلطة بوضوح أن الأولوية لإيقاف الحرب، ولذلك انصبت كل جهودها بهذا الاتجاه، من
منطلق تقديرها للموقف، بأنها حرب إبادة وتهجير، ستسعى إسرائيل من خلالها إلى إيجاد
بيئة مناسبة لتنفيذ مخطط التهجير، والذي يتطلب أن يسبقه قتل أكبر عدد ممكن من
الناس، وإلحاق دمار هائل في المساكن والبنية التحتية وتحويل غزة إلى جحيم..
وبالتالي فإن كل يوم إضافي في الحرب سيعني مزيدا من الضحايا، ومزيدا من التدمير،
وتزايد احتمالات تصفية المقاومة، وتنفيذ الترانفسير.
أما مطالبة
السلطة بأن تنخرط في المعركة عسكريا؛ وأن تقوم الأجهزة الأمنية بمهاجمة أهداف
إسرائيلية والدخول رسميا في الحرب.. فهي
مطالب غير واقعية وتدل على تفكير ساذج وغير مسؤول.. فقد سبق للسلطة أن خاضت مواجهة
عسكرية مفتوحة مع الاحتلال ( بلغت أوجها 2001-2003)، وأسفرت عن خسائر سياسية
فادحة..
وفي هذه الحرب
التي لم يسبق لعنفها مثيل، والمدعومة مباشرة من حلف الناتو، فإن أي مواجهة عسكرية من
قبل السلطة (أو من قبل إيران) ستزيد من حدتها وشراستها أكثر مما نراه الآن، ولن
تؤدي إلى القضاء على قدرات المقاومة، ولا تدمير السلطة وحسب، بل ستؤدي حتما إلى تدمير
الضفة، وتهجير أهلها إلى الأردن، وبالتالي تصفية القضية نهائيا..
غني عن القول
أن أصحاب هذا الطرح أغلبيتهم من خارج منطقة الصراع، وغير معرضين لأخطار حقيقية، بل
ومرتاحين خلف شاشاتهم ويتابعون الأحداث وكأنها فيلم أكشن، وبعضهم لم يكتف بدمار
غزة، وبعشرة آلاف شهيد، وثلاثين ألف جريح ومعاق.. يريدون مشهدا مماثلا في الضفة.. حتى
يتمكنوا من كتابة قصائد الرثاء ونشر الصور المثيرة عن شيء كان اسمه بطولات وتضحيات
الشعب الفلسطيني.
سنناقش في
مقال قادم تفاعل جماهير الضفة مع الحرب..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق