مقتطفات مقتبسة
من صفحة مواطن غزّي على فيسبوك، تتضمن أيضا مراسلات على الخاص، تتحدث عن يوميات
الحرب..
7 أكتوبر،
الثامنة صباحا: الحمد لله إني عشت وشفت هذا اليوم العظيم.. شيء لا يُصدق.. ممتن
لهؤلاء الأبطال وبكل فخر..
7 أكتوبر،
العاشرة صباحا: بدأت أشعر بالقلق.. الله يستر..
10 أكتوبر: منذ
اليوم الأول للحرب وأنا أعاني من صداع شديد، تنتابني حيرة شديدة، ويمكنكم القول
إنى خائف ومرتعب، وفي رأسي بركان على وشك الانفجار.. أسئلة كثيرة، وإجابات لست
متأكدا من صحتها.. تشعرني أني أغرق في دوامة.. كل ما أحتاجه ساعة من الزمان يتوقف
فيها القصف، وأن أجد مكانا أرتب فيه أفكاري.. أي مكان؛ بيت مهدم، صحن جامع، فناء
كنيسة.. بعيدا عن الناس وصراخهم وتعليقاتهم التي تزيدني إرباكا..
12 أكتوبر:
أنا الآن في بيت أحد الأقارب في رفح، أخيرا تمكنت من استجماع قواي، ولملمة أفكاري..
سأكتب مشاعري كما أحس بها، وسأنقل بعضا مما شاهدته.. لا وقت لدي لترتيب الكلمات
وتنميقها.. انتظروني إن كان الأمر يهمكم..
14 أكتوبر: نحن
اليوم في نهاية الأسبوع الأول.. ليس على بدء الحرب، بل على إصابتي بإمساك لعين.. لكني
ولأول مرة أفرح بالإمساك، تخيلوا!! أنا مهووس نظافة، منذ أن سمعت بصواريخ القسام
صبيحة السبت، جلبتُ باكيت محارم معطرة وخبأته في جيبي، توقعت أن تنقطع المياه،
وألا أجد حمّاما نظيفا.. وربما لحسن حظي، لشدة اضطرابي ما أن بدأ القصف حتى أصبتُ
بالإمساك..
15 أكتوبر:
صبيحة اليوم غدرت بي معدتي، بدأت أمعائي تتقلص بشدة، صار كل همي إيجاد حمّام..
وقفتُ على الدور ساعتين، هي الأصعب طوال حياتي.. وحين وصلني الدور بمجرد رؤية
المرحاض تقيأت ما في جوفي.. وهربت من المكان أشعر بتقزز وأسف وإحراج شديد.. خرجتُ
هائما على وجهي أجوب الشوارع القريبة إلى أن وجدت بيتاً تهدمت أجزاء كبيرة منه،
توقعت أنه سيكون مهجورا، أكثر ما كان يرعبني أن أتعثر بجثة أحدهم.. أو أن يسقط
السقف فوق رأسي.. في لحظات عثرت على المرحاض، كان محطما تماما، لجأت إلى جدار مائل
يستند على عامود إسمنتي، مكان مثالي لأفرغ حمولة أمعائي دفعة واحدة..
16 أكتوبر: بعد
يومين من بدء القصف هربنا على وجه السرعة نحو الجنوب، قيل لنا هناك أكثر أمانا..
تركنا بيتنا نحمل القليل من المتاع، كنا نحو 20 نفرا من عائلة واحدة، أنا أعزب،
ومعي ثلاثة أشقاء وزوجاتهم وأولادهم، مع جدتي المسنة.. هيك إحنا الغزازوة، بنخلّف
كثير.. حلفت يمين إذا نجوت من الحرب ألا أتزوج وألا أنجب طفلا واحدا.. بعد ما رأيت
الخوف والذعر في عيون أشقائي وزوجاتهم..
17 أكتوبر: ما
رأيته في مستشفى المعمداني يفوق بفظاعته ووحشيته أي وصف، سأحتاج عشر سنوات على
الأقل من العلاج النفسي المكثف حتى أستوعب ما حصل.. ما أريده الآن طرد الكوابيس من
دماغي..
دوي انفجارات،
أشلاء، جثث، دماء، نساء، خوف، صراخ ونحيب يفطر القلوب..
دموع طفلة
تبلل ملابسي، تصبح بركة فأهرب حتى لا أغرق فيها، يدٌ مقطوعة تهزني بعنف، وكلما أغمضت
عيني توقظني صيحة أبٍ مفجوع..أصحو مفزوعا فأرى جثة أخرى على سريري..
19 أكتوبر: بعد
قصف منزل الجيران في رفح، قررنا النزوح ثانية إلى النصيرات.. في الطريق رأينا آثار
الدمار.. خراب وركام.. مشينا على الأقدام نجر أحزاننا وأطفالنا، كنا صامتين تماما،
وكنتُ أبكي بحرقة.. كان الصمت يلف العالم كله.. واصلنا المسير حتى وصلنا دير البلح،
آلاف من البشر يتكدسون في مدرسة الوكالة، النساء والأطفال في الطوابق العليا، والرجال
يبيتون في الطابق الأرضي، ويمضون نهاراتهم المملة في الساحة، يدخنون، ويشتمون
العالم ويسبّون مجلس الأمن، وجميعهم صاروا محللين سياسيين.. في الأيام الأولى كنت
أحلم وأمنّي النفس بأن أحظى بحمّام ساخن أو بارد، لا يهم، المهم أن تتدفق المياه
على جسدي المتعفن والمتعرق.. اليوم لم أعد أفكر بالموضوع، ولا حتى أحاول الوقوق في
طابور من مئات الأشخاص لدخول مرحاض مقرف.. سأستغل ساعات الانتظار على طابور المخبز..
وسأقف في طابور آخر ساعتين لأعبئ قنينة ماء.. ماء مالح يُسكب على جراحنا..
20 أكتوبر:
ابن شقيقي يوسف ولد في حرب 2012، وعمره اليوم 11 سنة، شهد خلالها ستة حروب، يعني
أكثر من مارشال في الجيش الأمريكي، وهو زعلان لأنه ما حضر حرب 2009، ذبحني بسؤاله:
عمّو، هو في عالم ثاني خارج غزة ما فيه حروب وقصف؟ قلت له: لما الله يلطف فينا
وتخلص الحرب رح أخليك تسافر وتشوف العالم.. ثم ذبحني بسؤال آخر: طيب متى سيلطف
الله بنا؟ متى سيتدخل؟ أجبته بصمت مطبق.. انتظرت الصباح لأنفجر صراخا وبكاء بعيداً
عن الأعين..
21 أكتوبر:
محادثة على الخاص:
-
كيفك عبود؟ شو أخباركم؟ يا رب تكونو بخير..
-
زي الخرا.. شو بتتوقع يعني!!
-
يعني قول صامدين، ولن نرحل.. وهيكا.. ارفع معنوياتنا شوية
-
شو بدي في معنوياتكم يا زلمة؟! وبدل هالحكي الفاضي ابعتلي رصيد جوال 200
شيكل..
-
اسمع، رح أنشر كل ما تكتبه عن يوميات الحرب، لازم الناس تسمع صوتكم..
-
ماشي، بس ما تكتب عني بطل، وشهيد، وصنديد.. أنا وكل اللي بعرفهم ماكلين روح
الخل.. أنا هسه قمة مخاوفي أن يصيبني إسهال، وقمة طموحي أنام 3 ساعات متواصلة، وأكثر
ما يشغلني العثور على شحن للجوال، ومرت أخوي حامل في الشهر الثامن وميتة من الخوف،
وأخوي الثاني لأول مرة بشوفه ببكي.. يا رجل إحنا ناس غلابا.. وفوق هيك جوعانين.. وإذا
بتعتبر هاي بطولة أنت حر..
-
أرجوك صديقي، إحنا شايفينكم أبطال لأنه بالفعل انتو أبطال، وصامدين..
-
انت شايفنا وبتفكر حالك بتتفرج على فيلم أكشن، أو على مباراة لبرشلونة..
إحنا صامدين غصبن عنا.. وبنموت غصبن عنا..
22 أكتوبر:
لا أبالغ إذا قلت أن القصف لم يتوقف دقيقة واحدة، ولا يوجد أي مكان آمن.. للنهار
عيون، ونستطيع في ساعاته الثقيلة أن نزجي الوقت، وأن نتدبر بعض أمرنا.. المصائب
تبدأ مع حلول الظلام.. صحيح أننا معتادون على انقطاع الكهرباء، لكن الظلام الدامس
يصبح شبحا مرعبا في أجواء الحرب، عتمة رهيبة لا يبددها سوى وهج الصواريخ، التي
تزيد من رهبة المشهد.. تتكدس العائلة على بعضها ويحاول الكبار تهدئة الصغار،
والضغط على آذانهم، ولكن عبثا.. مع كل قذيفة ترتج أبداننا مع رجة البيت، وتتفجر
نوبات الصراخ والبكاء.. في الليل الحالك لا شيء سوى القصف؛ قصف، قذائف، صواريخ،
انفجارات.. ابن أخي صار خبيرا عسكريا، يعرف القذيفة من صوتها: هذه من طائرة إف 16،
وتلك من دبابة ميركافا، وتلك من البحر.. وذلك هو صوت صواريخ القسام.. اقترحت أن
يضموه للجزيرة بدل الدويري.. وائل الدحدوح الله يعينه، بس هلكنا بقصة المربعات
السكنية..
في اليوم التالي
لا شي سوى الأطفال.. أطفال.. أطفال.. أطفال..
أطفال يبكون،
وأطفال يبحثون عن عائلاتهم، وأطفال تلطخت ملابسهم بالدماء، وأطفال موتى..
23 أكتوبر: أكثر
شيء بحس فيه الآن، إني مشتاق جداً وبشكل لا يوصف لحياتي السابقة، رغم أنها كانت
خرائية جداً ولكن بشكل يمكن وصفه..
24 أكتوبر:
سأعترف لكم بشيء؛ قبل عام انتابتني موجة اكتئاب، كنت فاقدا لأي أمل، لا أرَ في
وجوه الناس سوى الحزن والإحباط.. فكرت ملياً بالانتحار، وبالفعل حاولت ذلك مرات
عديدة، لكني كنت جبانا، وفشلت، وهذا ما زاد تعاستي، لم يكن عندي أي رغبة بالحياة..
اليوم.. أخاف من الموت، وصرت أكره لقب شهيد.. صرت متمسكا بالحياة أكثر من أي وقت
مضى، استعدت أحلامي القديمة، واخترعت أخرى جديدة، وخططت لمشاريع كثيرة مستقبلية..
صرت قادرا على التمني؛ نفسي أسافر، أتخيل نفسي في طائرة تحلق بعيدا عن هذي الأرض
البائسة.. كل ما أرجوه أن تنتهي هذه الحرب اللعينة بأي شكل..
25 أكتوبر:
صورة وحيدة لأطفال يلعبون في فناء بيت متهدم، وعلى وجوههم ترتسم ضحكات عجيبة.. وفي
الخلفية عامود من الغبار والدخان الأسود يصعد إلى عنان السماء..
26، 27، 28 أكتوبر:
لا شيء سوى صورة الأطفال.. وحائط صديقي فارغ تماما..
لأيام متتالية
أدخل على صفحة صديقي لأطمئن عليه إن كان ما يزال حيا.. لا أجد سوى صورة الأطفال
وضحكاتهم البريئة والمحيرة.. أواسي نفس راجياً أن يكون السبب انقطاع الإنترنت.. أو
الكهرباء، أو تحطم جواله.. أما روحه فأنا واثق أنها لن تتحطم..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق