أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أكتوبر 22، 2023

الرهان على محور المقاومة


في سياق الرهانات على الحرب الدائرة الآن، ثمة رهان آخر، على "محور المقاومة"؛ وهو من الرهانات التي تثير انقساما حادا جدا بين قطبيها، مؤيدو وأنصار محور المقاومة لديهم قدرة مدهشة على تبرير أي موقف سيتم اتخاذه: إن دخل المحور الحرب فهذا دوره المتوقع، وإن امتنع فلأن لديه تقديرات حكيمة للموقف، وحسابات دقيقة قد نجهلها الآن.. معارضو المحور انتقاداتهم جاهزة من الآن: إن دخل الحرب فإنه سيجر الكوارث والتدمير على لبنان وسائر المنطقة، وإن امتنع سيكون قد خذل غزة، وتلك هي طبيعته.. 

وقبل الخوض أكثر، ينبغي التذكير بجملة حقائق؛ أولها: المتحكم في المحور، ومن يديره وبيده قرار الحرب والسلم هي إيران، وبقية الأطراف عليها السمع والطاعة. وثانيها: قوة حزب الله العسكرية تفوق قدرات حماس والجهاد معاً بعشرة أضعاف، ما يعني أن تدخله في الحرب سيحدث فرقا هائلا. وثالثها: ما يجري في جنوب لبنان الآن مجرد مناوشات طفيفة، يستفيد منها الطرفان؛ حزب الله يُشغل إسرائيل، ويجعلها مجبرة على تشتيت جهودها العسكرية على عدة جبهات، بما يخفف الضغط عن غزة (علما أن الضغط على غزة لم يخف لحظة واحدة)، وهو بذلك يقدم رسائل إعلامية لجماهيره بأنه ليس محايدا، ويفعل ما بوسعه، ورسائل أخرى لإسرائيل لجعلها قلقلة وحذرة.. أما إسرائيل فتكتفي بردات محدودة، دون أن تكون مجبرة على تحريك طائراتها وصواريخها.

تعالوا نتخيل مشهدا افتراضيا: لو كان هجوم حماس في السابع من أكتوبر منسقا مع حزب الله، بحيث يهاجمان إسرائيل من الشمال والجنوب دفعة واحدة، وبقوة حزب الله الصاروخية المكثفة، والتي تفوق صواريخ القسام بكثير.. ماذا كان سيحدث؟

ما حدث على جبهة غزة عرفناه، أما ما كان سيحدث مع هجوم حزب الله فلا نملك إلا تخيل المشهد، وكل شخص سيراه بمنظار مختلف.. ستكون إسرائيل قد أحست بخطر التهديد الوجودي، ومن المؤكد حينها أن أمريكا ستتدخل بقوة بعدة حاملات للطائرات، وستتبعها بريطانيا وفرنسا، وكل أوروبا، وستكون حربا إقليمية أشد شراسة وضراوة وعنفا مما نراه في الحرب على غزة، وستكون الضحايا أضعاف الأرقام الحالية، ومن جميع الأطراف، وسيكون التدمير شاملا وبشكل رهيب..

وسيكون لهذه الحرب امتدادات عالمية، أول من سيستفيد منها روسيا، ستستغل انشغال أمريكا والغرب في حرب الشرق الأوسط، وستحسم حربها على أوكرانيا، وستغيّر مع الصين بنية النظام الدولي، وربما تكون إيران قد امتلكت القنبلة النووية، وستصبح موازين القوى الدولية متعادلة نوعا ما، بما يسمح بتسوية سياسية أكثر عدلا وإنصافا.. وربما تنجح أمريكا في حسم الحرب بأسرع مما نظن، وستكون قد تخلصت من حلفاء إيران في المنطقة، وبوضع أقوى لمواجهة روسيا والصين، وستعيد بناء نظام دولي جديد، وشرق أوسط جديد وبالشروط الأمريكية..

مثل هذه التغييرات تتطلب حربا طاحنة مدمرة، وهي مغامرة خطيرة ولا أحد يضمن نتائجها، والكل يحاول تجنبها، وإبقاء الوضع على ما هو عليه، بأقل قدر ممكن من الخسائر والتدمير، واكتفاء كل طرف بما حققه حتى اللحظة..

أدركت كلٌ من روسيا والصين وأمريكا خطورة اللحظة، وما تتضمنه من احتمالات وخيمة، ولذلك ربما ستُبقي على قواعد الاشتباك وتداعيات الصراع  بينها كما هي الآن.. إسرائيل لا تضمن نتائج الحرب، وربما تفوّت فرصة تدمير حزب الله لصالح تحقيق هدف تدمير حماس وتهجير غزة، وتقاسم منافع الحرب مع أمريكا، دون تكبدها خسائر كبيرة.. إيران ستكتفي بما حققته من انجازات، وقف التطبيع السعودي الإسرائيلي، والتأكيد أمام العالم أنها تمسك بأهم ملفات الشرق الأوسط، وأنها ستكون أقدر على فرض شروطها، وهي منجزات تحتاج وقتا لتفعيلها والاستفادة منها، وبالتالي لن تسمح لحزب الله بتوسعة الحرب أكثر..

أما حزب الله فهو مدرك أن مسألة دخوله الحرب ليست هينة بالمطلق، صحيح أنه سيخضع لضغوطات شعبية من قواعده وجماهيره، لكن قيادته (إن كان القرار بيدها فقط) ستتأنى كثيرا، وستحسب كل الاحتمالات الممكنة، وفي ذهنيتها العميقة نتائج حرب تموز 2006 المدمرة والكارثية، وربما أحلام تحقيق نصر كبير أو جزئي، وفي كل الأحوال ستكون الأثمان باهظة جدا. وفي كل يوم يمضي بالاكتفاء على هذا القدر من المناورات تقل فرص اتساع الحرب.. أما مسألة نصرة الحق ووحدة الساحات وغيرها فهي شعارات تبين عدم جدواها في حروب غزة الستة السابقة.

على أية حال، الحرب بحد ذاتها شرٌ مطلق، وتجنبها ليس خطأ دائما، فالحس بالمسؤولية أهم سمات القيادة الوطنية.. ولا أحد يتمنى الدمار والخراب للبنان، ومن الضروري أن تظل في المنطقة قوة تشكل رادعا لإسرائيل، مهما كان رأي البعض بها.

من ناحية متصلة، ستتطلب وحدة الساحات اشتراك فصائل المقاومة في الضفة، والبعض يطالب السلطة بالتحرك عسكريا بأسلحتها (مسدسات وكلاشنات)، وما يدفع بهذا الاتجاه أن خطاب محمد الضيف أوحى للجماهير الفلسطينية والعربية بأن طوفان الأقصى يشكل الضربة الحاسمة لإسرائيل، وأنه ذرورة معركة التحرير الشامل، وبالتالي على الجميع الاشتراك بالحرب وبأقصى ما لديهم من قوة، وتوجيه الضربة القاضية لإسرائيل وأمريكا معاً.. وخطورة هذا الطرح ليس في طوباويته وشعبويته وحسب؛ وأنه مبني على رؤية قاصرة لطبيعة النظام الدولي، بل وأيضا لأنه سيعني تدمير السلطة أولا، وإشاعة الفوضى، ثم انتقال الحرب إلى الضفة مباشرة، لتشرع إسرائيل في مشروع الترانسفير، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية نهائيا، تحت ذريعة التهديد الوجودي التي تتعرض له إسرائيل (المدعومة مباشرة من أمريكا وأوروبا).

مشكلة بعض قوى المعارضة للسلطة (وللمنظمة عموما، وحتى معارضو محور المقاومة) أن صراعهم معها يحجب عنهم رؤية المشهد بوضوح، والتصرف بمسؤولية وطنية.. وكما قيل سابقا "الطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة"..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق