مخطط ترانسفير
جماعي يطرد كل الفلسطينيين من أرضهم هو الحل الوحيد لإنهاء القضية الفلسطينية،
وتمتع إسرائيل بالأمن والاستقرار، وهو حلم صهيوني قديم.. لكن إسرائيل عجزت عن
تنفيذه لأسباب عديدة، لكنها لم تغفل عنه، وظلت ترتقب اللحظة المناسبة لتنفيذه،
وربما تنفذه على مراحل، والبروفة الأولية ستكون في غزة، وإذا نجحت ستنتقل إلى
الضفة..
مع أن قطاع
غزة خرج من دائرة الأطماع الصهونية، بعد فشل محاولاتها العديدة للتهجير والتوطين، وبعد
أن تأكدت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أنها لن تجني من وراء سيطرتها على القطاع
سوى المشاكل والخسائر، وقد فقام شارون بالانسحاب منه سنة 2005، وفي الذهن الإسرائيلي
إبقائه تحت الحصار والسيطرة، والتفرغ للضفة الغربية..
فلماذا اليوم
تتكشف مخططات إسرائيلية أمريكية لتهجير سكان غزة إلى سيناء؟
قبل الحرب على
غزة كانت تدور في الخفاء حرب عالمية صامتة بين الأقطاب الدولية المتنافسة، إحدى أشكال
تلك الحرب صراع على الممرات المائية والطرق التجارية العالمية، للسيطرة على مسارات
تدفق الطاقة والبضائع والخدمات (عصب الاقتصاد العالمي)؛ إنها حرب الموانئ..
قطباها: الولايات المتحدة ومعها الإمارات، الهند، إيران. وفي الجهة المقابلة روسيا
والصين ومعهما باكستان، وقطر، وعنوان هذه الحرب ميناءا "دبي" في
الإمارات، و"غوادر" في الباكستان..
وبموازاة حرب
الموانئ، وفي السياق ذاته اندلعت قبل عقد من الزمان حرب الطرق التجارية حيث أطلقت
الصين مشروعها العملاق والأضخم عالميا، المتمثل بطريق بري/بحري يصل الصين بالشرق الأوسط
وبأوروبا بأقصر الطرق الممكنة، وقبل فترة وجيزة أعلن عن طريق بري بحري عملاق ليكون
المنافس والبديل لطريق الحرير الصيني؛ يبدأ من الهند، ويمر بإيران ودول المنطقة
وينتهي بإسرائيل، وقد أعلن عنه نتنياهو في خطابة الأخير في الأمم المتحدة، حين قال:
"سيتغير الشرق الأوسط كله، وسيُبنى ممر السلام والرخاء الذي يربط آسيا عبر
الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وصولا إلى أوروبا".
دققوا قليلا
بالتحالفات والاصطفافات على طرفي الصراع: باكستان وقطر منحازة للطرف الصيني الروسي!
وإيران منحازة للطرف الأمريكي! والهند المتحالفة مع روسيا في حربها على أوكرانيا
تصطف ضد الصين! كل دولة تبحث عن مصالحها.
وهناك طرفان إقليميان
مهمان سيدخلان الصراع بعد أن باتت مصالحهما مهددة (السعودية ومصر)؛ حيث يجري في
الخفاء مخطط آخر مهمته إيجاد بديل عن قناة السويس وله هدفان: ضرب مصر، وإعادة
الاعتبار لدور إسرائيل الوظيفي، لأن القناة البديلة ستكون إما ممرا مائيا (وهذا
مؤجل بسبب ضخامة التكلفة)، أو ممرا بريا من إيلات إلى عسقلان.
أما السعودية،
فهي الطامحة بأن تكون مركز الصدارة في الإقليم، وقد خصصت استثمارات ضخمة في البحر
الأحمر، منها 500 مليار دولار لمشروع "نيوم"، أي بالقرب من الخط التجاري
المرتقب، وعلى تخوم منطقة الصراع المتفجر حاليا. والسعودية كانت في طريقها لإنجاز
مشروع التطبيع، وهو أهم بكثير بتأثيراته الجيوسياسية من تطبيع الإمارات والبحرين
وغيرها.
هذا الصراع
وكل تلك المشاريع غير منزوعة عن سياق حرب أخرى سبقتها، دارت رحاها في سورية، وقد
تبين أن من بين أهم أسبابها الصراع على أنابيب الغاز، وكانت الأطراف اللاعبة في
الصراع كلٌ من روسيا، إيران، أمريكا، قطر والتي هي أهم مصادر الغاز في العالم، بالإضافة
لتركيا (الممر والناقل)، وأوروبا (المتلقي والمستفيد).
فكما تطلبت
تلك الحرب تدمير سورية وإخضاعها وتهجير سكانها، ستتطلب هذه الحرب تدمير غزة وإخضاعها
وتهجير سكانها، ببساطة لأن هذه المشاريع الدولية العملاقة الجديدة تعتمد على مدى قدرة
إسرائيل على حمايتها، وهي تنتهي على مسافة أميال من قطاع غزة، وبالطبع هذا يتطلب
التخلص من أي طرف "مزعج" ويهدد أمن هذه المشاريع (حماس وكل قوى المقاومة،
وأي تحالف مع إيران). وهنا يجدر التذكير بموضوع متصل، وهو علاقة قطر بغزة، حيث
قدمت قطر لحماس خلال السنوات السابقة قرابة المليار دولار، ليس لإدامة الانقسام،
وضمان استمرار حكم حماس وحسب، بل وأيضا بسبب حقول الغاز التي ظهرت في شواطئ غزة
وعلى طول الساحل الفلسطيني، ليتم اقتسامها مع إسرائيل.
غزة كحيز جغرافي
تحتاجه إسرائيل، والشعب الفلسطيني المقيم في غزة، وحماس وكل قوى المقاومة، وأي
نفوذ لإيران كلها عوائق جغرافية وأمنية وسكانية أمام تلك المخططات الدولية التي ستعيد
رسم مراكز القوى الاقتصادية في المنطقة والعالم، والتي تعتمد على إسرائيل لإزاحة
هذه العوائق ولضمان أمنها.. وهذا يتطلب تدمير قدرات حماس، وتهجير السكان إلى سيناء،
إضافة إلى هدف آخر لا يقل أهمية: إضعاف مصر ودورها وقدرتها على التأثير من خلال
خلق مشكلة ديمغرافية وأمنية واقتصادية ستشكل حملا ثقيلا عليها وتهديدا لأمنها.
وبالنسبة لتوقعات
مآلات الحرب وامتدادتها، على الأرجح لن يدخل حزب الله في الحرب، وستكتفي إيران بما
حققته من منجزات سياسية، وهي ليست فقط وقف التطبيع السعودي الإسرائيلي، بل والأهم أن
أمريكا وكل دول العالم أدركت أن إيران بيدها الكثير من المفاتيح الخطيرة، وأهمها الإمساك
بالورقة الفلسطينية، وقدرتها على تفجير المنطقة، وهي منجزات ستحتاج إيران وقتا
لهضمها والاستفادة منها، وفي هذه الإثناء ستبقي حزب الله كذخيرة احتياطية.
ستكشف الأيام
القادمة كل الأطراف التي تآمرت على فلسطين وقضيتها وشعبها ومقاومتها، ومن جرنا إلى
هذا الجحيم.
عبد الغني سلامه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق