أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أغسطس 22، 2023

عمر الـخـيّام


في القصة المتداولة التي تدور أحداثها في القرن 11 الميلادي، يُقال أنّ ثلاثة فتية تعاهدوا فيما بينهم أنه إذا استلم أحدهم منصبا مهما أن يدعم البقية، وهؤلاء الفتية هم: نظام الملك، وحسن الصبّاح، وعمر الخيام.. وكان لكلٍ منهم طموحه وأحلامه المختلفة: كان نظام الملك طامحا بالسلطة، وبالفعل تولى الوزارة في عهد ألب أرسلان وابنه ملك شاه خليفة الدولة السجوقية، أما حسن الصبّاح فكان مهووسا بالزعامة فصار زعيم أهم جماعة دينية أشاعات الرعب في البلاد، وأكثر جماعة أثارت الجدل في التاريخ الإسلامي وهي طائفة الحشاشين، أما عمر الخيام فكان مشغولا بأسئلته الوجودية فصار فيلسوفا وشاعرا، حتى حين استدعاه "نظام الملك" زهد في منصب والي نيسابور، وفضّل الفلسفة والعلم على الحكم والسلطة، فرصد له الوزير مبلغا من المال يعينه على التفرغ لعلمه وفلسفته.. لكن حسن الصباح تخاصم مع الوزير وفـرَّ من البلاد ولجأ إلى مصر، ثم عاد إلى فارس ليسيطر على قلعة "ألَموت"، والتي منها دبر مؤامرات الاغتيال ضد كل من خاصمهم، ومنهم صديقه القديم الوزير نظام الملك نفسه.

ومع إن هذه القصة غير مثبتة تاريخيا، وتدور حولها الشكوك، إلا أن المؤكد أن ثلاثتهم كانوا يعرفون بعضهم جيدا، وأنّ كل واحد منهم ترك بصمة واضحة في تاريخ المنطقة، وأحدثَ أثرا مهما في مسارها..

سنركز في هذا المقال على عمر الخيام، على أمل تناول باقي القصة في مقالات قادمة..

اسمه غياث الدين أبو الفتوح عمر بن الخيام، ولد في عام 1048م، في نيسابور عاصمة خراسان في عهد الدولة السلجوقية. وبعد استكمال دارسته في نيسابور، جاب بلاد فارس متنقلا بين بخارى وسمرقند وأصفهان وماري في تركمانستان، ليعود أخيرا إلى مسقط راسه، ويُقال أنه تزوج من مغنية اسمها جيهان، وقد عاش آخر سنينه معتكفا معتزلا الناس، حتى تُوفي في نيسابور سنة 1131م.

عاش الخيام حياة غامضة تكتنفها الألغاز وتدور حولها الروايات المتضاربة، وأشهر ما عُرف عنه "الرباعيات"، وهي قصيدة ملحمية ترجمها عن الفارسية الشاعر المصري أحمد رامي، والعراقي أحمد صافي النجفي، وغنتها أم كلثوم، وهي الأثر الوحيد الذي كتبه الخيام بالفارسية، فيما كتب بقية كتبه بالعربية (أُحرق معظمها).

وتدور رباعيات الخيام حول فكرة الوجود والكون والحياة، وتطرح أسئلة جريئة وممنوعة، تراوح بين المناجاة والتمرد، وبين الزهد والإقبال على الحياة، وبين الإيمان الواضح والإلحاد المبطن، وهي في الحقيقة تعكس شخصية الخيام وحياته المثيرة للجدل، وتعتبر استمرار لكتاباته ومقالاته وأطروحاته الفلسفية التي حيرت المؤرخين من بعده، حيث رآه البعض متدينا زاهدا متصوفا عميق الإيمان ولكن على طريقته الخاصة (عرفاني).. فيما رآه آخرون (وهم الأكثرية) زنديقا ومهرطقا وملحدا، ناقدا للكثير من المسائل الدينية، وساخرا من المقدسات، بل منكرا للحياة ما بعد الموت، ومشككا بوجود إله خالق.. وآخرون اعتبروه بين هذا وذاك، أو مجرد فيلسوف ومتأمل وعالم فلك ورياضيات طرح أسئلة كبرى وقدم إجابات متباينة تحتمل أكثر من تفسير..

في الرباعيات مثلا يقول: لبستُ ثوب العيش لم أستشر، وحرت فيه بين شتى الفكرـ وسوف أجلو الثوب عني، ولم أدرك لماذا جئت، وأين المفر. وهذه حسب فهم البعض تشكيك في ثوابت الدين..

وفي مقطع آخر يقول: أفق خفيف الظل هذا السحر، نادى دع النوم وناغي الوتر، فما أطال النوم عمرا ولا قصّر في الأعمار طول السهر.. وهذه حسب فهم البعض دعوة للإقبال على ملذات الحياة، وحيث أنه يتغنى في مقاطع أخرى بالمعازف والخمر والجنس.

وفي مقطع آخر يقول: إن لم أكن أخلصت في طاعتك، فإنني أطمع في رحمتك، وإن ما يشفع لي أنني قد عشت لا أشرك في وحدتك.. وهذه فُهمت على أنها توبة لله ومناجاة له، وتعبير عن إيمان عميق به.

من الواضح أن الخيام كان ذا شخصية قلقة، وأنّ العِلم (بمستوى وأدوات زمانه) لم يقدم له الإجابات الشافية والوافية، لذا اعتبره البعض مؤسس الشك (قبل ديكارت بكثير)، ومؤسس الوجودية (قبل سارتر بمئات السنين)، فقد حاول الإجابة على الأسئلة الوجودية في أربع مقالات فلسفية وهي ذات عناوين متشابهة: مقالة في الوجود، مقالة في سر الوجود، مقالة في كيفية الوجود.

وهو أول من صاغ نظرية هندسية جبرية، وأول من وضع أسس الهندسة التحليلية، وأول من استخدم الرمز (x) للدلالة على العدد المجهول، وأول من قاس الكثافة النوعية، وإلى جانب إسهاماته في الرياضيات والجبر والمثلثات وحل المعادلات المعقدة بالمخروطيات، كان إسهامه الأبرز في الفلك، حيث تمكّن من خلال مرصد أصفهان من تصحيح التقويم الفارسي القديم، واستبداله بتقويم جديد كتبه بالفارسية وأسماه "روزنامة"، وهو تقويم دقيق جدا، ويُعد أفضل من التقويم الغريغوري.

كانت آخر سنين عمر الخيام هي آخر سنوات الحقبة الذهبية للحضارة الإسلامية، والتي بدأت من بعدها انحدارا وتدهورا متسارعين لم يتوقفا حتى الآن.. واللافت للانتباه أن من بين أهم أسباب هذا التدهور والانحدار يعود لصاحبيّ الخيام القديمين (حسن الصبّاح ونظام الملك)، فبينما كان الخيام منشغلا بالفلسفة والعلوم والشعر، أشعل الصبّاح نيران الفتنة الطائفية بين السُنّة والشيعة، وافتتح عهدا جديدا للاغتيالات والتصفيات السياسية، وإشاعة الإرهاب الفكري.. في حين أسس نظام الملك ما عرف بالمدارس النظامية، وهي مدارس فقهية متشددة ومتزمتة قدمت النقل على العقل، وأطفأت روح الإبداع والتجديد، وحرّمت طرح الأسئلة الوجودية والفكرية، وحاربت الفلسفة (على غرار كليات الشريعة الآن)..

ومن بعد الخيام انقطع أو كاد ظهور من يجرؤ على طرح الأسئلة الكبرى.. فقد عمّ الإرهاب الفكري سواء بالاغتيالات الجسدية أو بالتكفير وحرق الكتب وتحريض العامة..

ويستطيع كل ذي بصيرة أن يجد المكافئ التاريخي لنظام الملك والصباح (وكذلك الخيام) في وقتنا الحاضر..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق