أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

يوليو 16، 2023

رحلة مع العصافير

 

في كل صباح، أطلُّ من نافذة المطبخ على حديقتي؛ شجرة لوز صغيرة، وصفٌ من السرو الباسق، ودالية، وتفاحة، وأسكدنيا، وركن مخصص للحمضيات، يحف بها حوض نعناع مجنون، وأزاهير برية متناثرة، تتوسطها جورية حمراء دمشقية، وياسمينة عراقية، مع أحواض موزعة بعناية تتدلى منها أزهار الجيرانيوم والبيتونيا.. الحديقة تظل على سفح منحدر مشجّر، ينتهي بوادي صار شارعا يصل إلى الأحياء الجديدة غرب وشمال رام الله، وقبالتنا جبل أشم أشبه بغابة زيتون..

 أخرجُ للحديقة لأملأ رئتي بنسمات الصبح الندية، الآتية من صوب الغرب، فتبدأ عصافير الحديقة بالزقزقة والتغريد، ليكتمل المشهد.. أحيانا أفتتح نهاري بعصفور الشمس الفلسطيني؛ متنقلا بين الأغصان، بمنقاره الأسود وريشه الداكن، الذي يتوهج بلمعان أزرق كلما رفرف قبالة الضوء، وإذا طار تظهر خصلة برتقالية أسفل صدره تتوسط هالة رمادية، وإذا لمح قرينه يبدأ بالغناء بصوت عالٍ وسريع، يشبه الخشخشة.

وأحيانا تكون البداية مع الحسون.. طير بهيّ، وجهه أحمر، ورأسه أسود صغير، في أعلاه وجنتان بيضاويتان، جناحاه أسودان يتخللهما شريطٌ أصفرٌ مُذهَّب، منقاره عاجي بوسعه استخراج بُذور الشوك دون أن يُجرح، أما صوته الشجي، فيأخذك بسحره نحو الغيوم.. يبدأ بتغريدة رخيمة وهو يحرك رأسه يمنة ويسرة، تليها زغرداتٌ موسيقية عذبة، تزداد وتيرتها وتنخفض وهو يحرك رأسه للأعلى وللأسفل، مثل مطرب محترف..

وأحلى الصباحات تلك التي تفتتحها البلابل، أجمل العصافير المغردة؛ رأسها أسود تحيط عينيها هالات بيضاء، صدرها رمادي مكتنز، موشح بالأصفر، وأحيانا بالقرمزي، غناؤها الفريد أنشودة الطبيعة البكر.. لا يجاريها إلا شحرور الوادي، أو عصافير الكنار، وهي تعزف على أوتار القلب في المساء سيمفونيتها الفاتنة..

ومن العصافير التي أحب زيارتها وأخشاها؛ عصفور المينا، أحبه لجماله وجرأته ومرحه، وقدرته على تقليد الأصوات، ولأنه رمزا للحب في الهند؛ فالذكر والأنثى، يبقيان معاً كزوجين مدى الحياة، ولأنه عكس الكنار رفض قيود الأقفاص، وتمرد عليها.. أخشاه لأنه هرب إلى البيئة الفلسطينية ليزاحم عصافيرها، فهو عدواني، شرس، يخرب أعشاش الدوري ويقتل صغارها.. وهناك العديد ممن يطالبون بالتخلص منه..

لكن بداياتي مع العصافير كانت سيئة؛ فعندما كنت طفلا شاهدتُ عصفورا يتفيأ ظل زعرورة، فرميته حجرا، ولسوء حظه؛ كانت إصابة مباشرة بالرأس.. وذات مرة، خرجنا مجموعة من الأولاد للصيد، فعثرنا على عشٍ بين النتش، نصبنا الفخ قبالته مباشرة، وحين عادت الأم لإطعام صغارها، وجدتْ دودةً جاهزة بانتظارها؛ فأطبق عليها الفخ.. لا أدري كيف كنا بهذه القسوة، وهذا النزوع الغريب للعنف!! ما زلت نادما على تلك الفِعلة، وأعتذر للعصافير عنها كلما لاحت لي الفرصة.. في أيام الصيف القائظة، أملأ بعض الأواني بالماء، لتروي ظمأ عصفور أدين له بالاعتذار، وفي ليالي الثلج، أنثر بعض فتات الخبز على طرف الشباك.. لعل عصفور جائعا يلتقطها.. وطالما أتى زوجان من اليمام في بداية الربيع، ليختارا نافذتي موطنا لعشهما، فأتغاضى عنهما، إلى أن يشتد عود صغارهما، ويغادران العش دون رجعة..

لكني موقفي من الحمام الزاجل لم يعد إيجابيا، فهي لا تكف عن إلقاء فضلاتها في كل مكان، الأمر الذي بات مزعجا خاصة لمن يسكنون في العمارات، حتى إني صرت أنزعج من هديلها.. وطالما تساءلت بحنق: لماذا تترك كل هذا الوادي الفسيح وتأتي لتلوث حديقتي؟

ذات مرة، أهداني صديقٌ زوجاً من الكنار، ملأا البيت موسيقى وبهجة بتغريداتهما الرائعة.. لكنا أشفقنا عليهما من الحبس، فبنيت لهما قفصا كبيرا في فناء الحديقة، تزوره الشمس والريح، بنافذة مفتوحة على زرقة السماء.. مساحته تكفي لجناحيهما ليخفقا عاليا، تحيطه أربع أشجار من زواياه الأربع، وتتوسطه تشكيلات فنية من الأعشاش الخشبية والمراجيح والحبال المزينة.. عصر ذلك اليوم نقلتهما لمسكنهما لجديد، كان الفصل صيفا، ولديهما كل أسباب الحياة، لكنهما لم يتحملا برد الصيف، في الصباح وجدت الذكر ميتا، أقام له الأولاد جنازة مهيبة ودفنوه باحترام وحزن، وقبل أن يحل المساء كانت الأنثى قد قضت كمدا على فراق شريكها.. من يومها حرّمت على نفسي اقتناء العصافير..

ما يحزنني أن ضيوفي من العصافير لا تقيم في الحديقة، تأتي زائرة وتغادر.. حتى عصفور الدوري لم نعد نراه.. وبين فينة وأخرى ألمح أسرابا من السنونو، والزرازير، والقبرة، والهدهد، ونقار الخشب، والحجل، والزريقي، وأنواعا أخرى لا أعرف اسمها.. الكاتبة اللبنانية "بادية فحص"، حين أرادت أن تذم طهران، قالت عنها: "تمل من كثرة الأشجار فيها، لأن أشجارها لا تحمل في أحشائها عش عصفور".. الشجرة التي لا تضم عشاً شجرة خرساء..

رغم جمالها وهي تتطاير من غصن إلى غصن، لم أحاول أن ألتقط لها أي صورة؛ فتلك مهارة أفتقدها.. المصور المبدع "أسامة السلوادي" التقط أجمل الصور لطيور فلسطين وأزهارها، وضمها في كتبه المميزة (طيور فلسطين، أرض الورود وغيرها)، وثقها ونقلها للعالم، ليظهر مفاتن فلسطين ومواطن الجمال فيها.. وهناك أيضا المصور المبدع "محمد الشعيبي" الناشط في توثيق الحياة البرية في فلسطين، ولديه عشرات مقاطع الفيديو التي تظهر جمال الطبيعة الفلسطينية وسحرها.

في فلسطين، ، توجد 65 عائلة من الطيور، تضم 511 نوعاً، كل نوع أجمل من الآخر.. فضلا عن مائة نوع من الطيور المهاجرة، التي تزور البلاد صيفا وشتاء في رحلتها السنوية.. ذكرتُ منها فقط ما اشترك معي في فضائي الصغير، وما حل ضيفا على ذاكرتي..

وقبل أن أنهي سأعترف بذنب اقترفته بحق ثعلب، ذات مساء كنت في الطريق الواصل بين الطيرة وبيوتنيا، الشارع لا يسمح بالسرعة، ومع ذلك، وبسبب العتمة ظهر فجأة أمامي ثعلب رمادي، وبدلاً من هروبه، اتجه مباشرة إلى مقدمة السيارة، ليترطم بها بقوة.. ركنتُ جانبا على الفور، ونزلت على أمل إنقاذه، كان قد مات على الفور.. وقفتُ لدقائق طويلة، أتأمله بحزن وأسف.. اعتذرت له ولسائر الثعالب والثديات.. مع إنه لم يترك لي أي فرصة لتجنبه، مع ذلك لمتُ نفسي.. فوجب الاعتذار.

معظمنا أساء للعصافير والقطط والكلاب.. بشكل أو بآخر، اعتذروا لها بطريقتكم الخاصة؛ فهي كائنات لطيفة.. وعشقها أحلى طريقة للإحتفال بالحياة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق