أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 20، 2018

لغز الحياة والموت


 (1~2)
هل الموت شجاعاً ليواجَه؟ أم هو جبان يتحين الفرص للانقضاض؟ هل الموت حاقدا على الحياة، أم هو محباً لها يريد إدامتها؟ في الواقع ليس هناك ما هو أفظع وأقسى من الموت، ولا أغرب منه؛ هو نهاية كل شيء، وبدايته.. بينه وبين الحياة خيط رفيع، هو نقيض الحياة، وأحد أشكالها في آن معاً..
الموتُ هو نهاية المطاف لكل شيء، هو النهاية الحتمية للحياة.. هو هادم اللذات، ومفرق الأحباب، وبه قهر الله عباده.. لكن الموت لا يعني شيئا للميت؛ فلأنه ميت لا يدري ما حلَّ به، ولن يستفيد من هتافات المشيعين ولا من كلمات الرثاء.. وكما أن الحياة لا تعني شيئا للميت.. فإنها لا تعني شيئا للحي قبل أن يولد.. فقبل أن يُولد الإنسان لم يكُ شيئا مذكورا، وبعد أن يموت سيصير نسيا منسيا.. وفي كلتا الحالتين، فإن ما في الكون لا يعنيه بشيء، لأنه ببساطة ليس من مكوناته. فالميت نفسه لا يشعر لا بالألم ولا بالحزن ولا بلوعة الفراق. كما قال "درويش": الموت لا يعنينا، نكون فلا يكون، يكون فلا نكون..  

الأهل وحدهم من سيتجرع كأس الحزن والأسى وتكتوي قلوبهم بلوعة الفراق ووحشة الوداع الأبدي، أما الميت فسوف يوغل في الغياب... ولن يعود أبدًا.. ورثَتـُه ربما يفكرون فقط بتركته، سواء كانت ثروة سينعمون بها، أم ديْنا سيزيدهم بؤسا، المشيعين ينتظرون انتهاء الجنازة بأسرع وقت ليستأنفوا أعمالهم.. الطبيعة تنتظر الميت لتقوم بفعلها في جسده وتكمل دورتها.. وبمقدار ما يسبب الميتُ حزنا وكمدا لأحبّائه، إلا أن الموت بحد ذاته، وفي واقع الأمر، لا يعني أحداً، لا أحد يفكر فيه بالمعنى العميق، الحياة نفسها هي التي تعني كل شيء لكل إنسان.
إذن، لماذا نُسقط الموت من حساباتنا؟ رغم قسوته، ورغم إيقاعه المخيف!؟
قد يكون الجواب في فهم سر الموت؛ فالموت في جوهره وجه من أوجه الحياة، وربما أحد أهم ضروراتها، ولأنه لا يحمل بحدوثه مفاجأة، إلا ما تمثله وقْع الصدمة على أحبّاء الميت.. وهو وإن يأتي بغتة، إلا أنه تتويج لحالة مستمرة؛ فهو ينساب من حولنا بكل خفة، ويتسلل من النوافذ ومن تحت الباب، ونستجيب له ببطء وعلى دفعات، دون أن نحس به، لأن دبيبه هو نفس دبيب الحياة؛ فالأحياء أثناء حياتهم يموتون بأكثر من شكل: بيولوجيا يمارس الجسدُ الموتَ يوميا، فكل ما فيه يذوي ويتساقط، حتى أن أجسادنا تتبدل في دورة العمر مرات عديدة، فلا يبقَ من أجسادنا التي حملتنا أطفالا شيئا يُذكر، وقد حل محلها جسد آخر وآخر...
الحياة بمعناها الشمولي هي نتاج صراع الوجود والفناء، ترفع أحدهما مرة وتخفضه مرة أخرى، وتبقى مستمرة طالما أن الموت مستمر، فالموت حدثٌ دائم لا يتوقف، وهو ضرورة بالنسبة للطبيعة، ومأساة بالنسبة للإنسان. يصيبه في نهاية خريفه، أو في ذروة شبابه.. نرى الموت بأعيننا، نتأثر لبرهة، ثم سرعان ما ننساه لنعود إلى حياتنا، ولكن تبقى مشاعرنا اللاواعية تتذكره، وعقلنا الباطن يتحداه أو يستسلم له، ويظل في أعماقنا رجفة منه، وجزع وقلق مبهم من زيارته الثقيلة.
في كتابه "لغز الموت" يحاول الدكتور "مصطفى محمود" فك طلاسم هذا اللغز من خلال فهمه لظاهرة النوم، واصفا إياها نصف الطريق إلى الموت؛ "في دماغ الإنسان ثمة مفتاح كهربائي، بمجرد أن تطفئه يسود الظلام وتدخل في غيبوبة، فتمر الشخصية بحالة غرق، وتعبر إلى عوالم أخرى، ويسقط الجسد في هوّة التعب والعجز.. ويتحول الإنسان إلى شجرة، إلى شيء تستمر فيه الحياة على شكل وظائف فسيولوجية، كل شيء يتم بطريقة آلية تلقائية، بينما الجسم ممدد بلا حراك، والعقل بلا وعي، فقد أخذ إجازة، واستلم بدلا منه العقل الباطن، ليعود به ملايين السنين إلى الوراء، ليعيش بطريقة بدائية كما كانت تعيش السرخسيات: حياة مريحة ورخيصة لا تكلف شيئا ولا يصرف فيها طاقة، أثناء النوم يموت النصف الراقي من الإنسان: شخصيته، إدراكه، وعيه، أو تختفي لتعود إلى ينبوعها الأصلي، وتلتقي هناك بخاماتها الطبيعية المجردة من الوعي، فالإنسان بالنوم يعبر نصف الطريق إلى الموت".
أثناء النوم يكون الجسد حاضراً بوظائفه البيولوجية، ولكن الوعي غائب، والشخصية متوارية، فما الذي يميز النائم عن الميت؟ طالما أنه في الحالتين لا وجود للعقل والشـخصية والإدراك، فهل الفرق يكمن فقط في قـدرة الجسـد على أداء وظــائفه! بالتأكيد الإجابة هي النفي؛ فعلى هذي الأرض ملايين الأشخاص الذي خذلتهم أجسامهم، وعاشوا مشلولين، أو بإعاقة معينة، لكنهم ممتلئين بالحياة، وربما يفوقون بحيويتهم وعطائهم الكثير من مكتملي الأجسام.. ولكن، كيف هي حياة الإنسان بنصف جسد؟ لا يملك الإجابة على هذه الأسئلة إلا من ابتلي بإعاقة، أو بمرض عضال، من سهر ليالٍ موحشة وحيدا مع ألمه وحسرته. فنحن نعرف أن أجسادنا هي ميدان ملذاتنا، وهي أدوات شهواتنا وغرائزنا، هي سر حيويتنا ونشاطنا وسعادتنا، والتي لا ندرك قيمتها إلا عندما نصاب بمرض ما.
يقول الفلاسفة أن الروح هي سر الحياة.. فكل جسم حي حين يموت تذهب منه الروح.. الدين قال كلمته في هذا الشأن، بأن الروح تغادر إلى بارئها، تمكث في "البرزخ" ردحا من الزمن، بانتظار يوم الحساب.. ولكن لم يقدم أحدا إجابة شافية عن ماهية البرزح، هذا إذا اتفقنا على وجوده أصلا.. ولم يعرّف أحدا الروح بشكل علمي.. ورد في القرآن: "قُلْ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّـي"، بينما يقول العلماء إن روح الإنسان هي الطاقة التي ينبض بها قلبه، ويشتغل بها دماغه.. وعندما تنفذ هذه الطاقة، يهمد القلب، وينطفئ الدماغ، فيكون الموت..
المهم، أن الله يمنحنا في كل يوم حياة جديدة؛ طلعة بهية للشمس، طاقة متجددة، نهار آخر، خيارات لا حصر لها في كل الاتجاهات.. أمل بتغيير نحو الأفضل.. حلم نشتغل عليه.. أحباء نعيش من أجلهم، كما نعيش لأنفسنا قبل أي شيء.. وذكريات جميلة.. وأطياف نوارنية تحلق من حولنا لمن غادرونا مبكرين..
لهم من الله واسع رحمته..
(2~2)
منذ أقدم الأزمان، والخلود هاجس الإنسان وقلقِه، وغايته التي لا تُدرك، وأمنيته العصيّة على التحقيق، وقد ظلَّ الإنسان رافضاً لفكرة الموت والفناء، مدفوعا بغريزة البقاء، أو بنرجسيته التي طالما صوّرته مختلفا من بقية المخلوقات ومتعاليا عليها؛ فعندما كان يرى غيره يموت ويذوي ويتحلل في نظام الطبيعة، اخترع لنفسه أسطورة الخلود، والحياة ما بعد الموت، وابتكر فنون التحنيط، ودفْن الميت بأبهى صورة مع مقتنياته الشخصية التي سيحتاجها في الدار الآخرة.
كما لجأ للتكاثر والإنجاب، وتمديد حياته عبر أبنائه، الذين سيحملون نفس الاسم، أو لتخليد ذكراه عبر عمل فني، أو بناءٍ ضخم، أو مشروع مبهر.. (وتحديدا الذكور)، ومع ذلك، أخفق تماما في الخلود.. كما نجد ذلك بوضوح في ملحمة "كلكامش"، أول وأجمل نص بشري إبداعي، صور رحلة البحث عن الخلود..
الإنسان بكل جبروته وذكائه وكبريائه قد يموت في أي لحظة، ولأتفه الأسباب، وأحيانا بلا ثمن وبدون مقدمات، فجأة يتحول كل هذا الكيان الممتلئ بالحيوية والطاقة إلى جثة هامدة، باردة، سيرغب أقرب الناس لصاحِبها أن يواريها الثرى بأسرع وقت، ليدفن معها كل ما صاحَبها من شغب وصخب، ومن أحلام ومخاوف، ومن قدرات لا حد لها.. ليصير مجرد ذكرى، ثم لا يُذكر.. وهكذا، وبكل سهولة، وفي بضع سنين، سيتحول هذا الجسد إلى سماد للأرض، سيجد طريقه إلى شجرة مدت جذورها بالقرب منه، لتأخذ جزيئاته المتحللة إلى أوراقها وثمارها، ليتغذى عليها مخلوق آخر، أو تتحول إلى حطب يحرقه شخص ما ليتدفأ عليه.. أو تستعير ما تبقى منه كائناتٌ أخرى، لتبني بها أجسامها.
تلك هي دورة الطبيعة التي بدأت بغبار النجوم، ثم تناثرت في عموم الكون، حتى وصلت أرضنا، وصنعت منها المواد الحية والميتة، وكانت الحل الأمثل للبيئة، فخلّصت الأرضَ من ملايين الجثث، لتنبت على أنقاضها ما لا حصر له من كائنات. فكل ذرة من أجسامنا وُلدت في نجمة ما ذات يوم، ثم مرت عبر كائنات لا حصر لها حتى انتهت إلينا.
تولد الحياة من رحم الموت.. في الطبيعة، تنبثق الحياة في أقسى الظروف؛ العشب ينبت من بين مفاصل الصخر، في قاع البحار ستجد أسماكًا عرفت كيف تتكيف مع العتمة، وبين كثبان الرمل في الصحارى القاحلة ستجد عضيات تنتـظر المطر سنوات، وعلى قمم الجبال سترى نسرًا عائدًا إلى عشه وفي فمه عشاء لفراخه، إنه صراع البقاء المرير حيث شق الإنسان طريقه ليصبح سيد الكائنات.. البشر الذين سكنوا كل مكان؛ في الأسكيمو، في الغابات المطيرة والصحارى الحارة والجزر المعزولة في قلب المحيطات، وفي أكواخ الصفيح، وبيوت الطين، وفي المقابر، وتحت الجسور.. تشبث بالحياة مهما كان نوعها...
ومقابل التشبث بالحياة، أحيانا، قد يرغب البعض بإنهاء حياته بنفسه، لأسباب عديدة، لا أدري، هل تلك شجاعة لمواجهة الموت؟ أم جُبنٌ من مواجهة الحياة؟ ذلك سؤال إشكالي.. وهناك المضحون بأنفسهم لغايات نبيلة.. أما من يفجّرون أنفسهم في الأماكن العامة، فأولئك قتلة، لا أريد الحديث عنهم هنا.. وأحيانا، قد يتعب المرء من الحياة وشقائها.. أو من مرضٍ مزمن لا يُرجى شفاؤه.. فيرغب بالموت، ليتسريح، ويريح.. ربما وحدها سويسرا من تسمح بِ"الموت الرحيم"..  
الموت يقسّم الكائنات إلى أحياء وأموات، والحياة تقسّم نفسها إلى مراحل متداخلة تفصلها خيوط وهمية، والذي يحدد اللحظة ونوعيتها هو شعورنا، إحساسنا تجاه ذاتنا وتجاه الوقت؛ نحنُّ إلى الماضي أو نهرب منه، نرفض الحاضر أو نرضخ له، ونخاف من المستقبل أو نتوق له، فإحساسنا ونبضنا هو الذي يعطينا زمننا الحقيقي المعاش، فنجعله ينساب بكل رقة، أو يمر بطيئا ثقيلا، بينما تواصل عقارب الساعة مسيرتها الرتيبة التي لم تتوقف لحظة منذ بدء الكون.
إذن، وعْينا هو الذي يحدد نوعية الحياة؛ الحب يمنحها قيمتها ومعناها، وبالحب يكتشف الإنسان أنه ليس مجرد ذَكر أو أنثى تعتريه رغبة وشهوة، سيكتشف بالحب أن له اسم وكيان وحياة، وأن شريكه الذي أَحبّه له اسم أيضا، ولا يمكن أن يستبدله بآخر، وعندما يعثر أحدنا على شريكه، ويحبّه سيوْلد من جديد.. الحب هو تشبث بالحياة، ومحاولة لتمريرها للأجيال القادمة، وتهريبها من حواجز الموت عبر بطون الأمهات.
الموت كما هو الجنس، بطل الحياة ولاعبها الأساسي، وهو كامن في كل شيء: في أعماق وعينا، وفي اللاشعور، وماثلٌ بكل حضوره الرهيب في قيمنا ودوافعنا وتصرفاتنا: الشجاعة تكمن قيمتها في كونها تتحدى الموت.. الإصرار بحد ذاته وقوف في وجه الموت.. الأمل هو مقاومة للموت.. فلسفة الحياة هي تحايل على الموت.. الدين في إحدى معانيه محاولة لبث الطمأنينة في النفوس الخائفة من الموت، وتعويضها بالحياة الآخرة.. الفن محاولة للخلود ورفض لفكرة الموت، من خلال قصيدة أو أغنية أو لوحة تخلد صاحبها على مدى الأزمان.. الفن في لحظة الإلهام يفتح نوافذ مداركنا على تصوير جديد ومختلف للدنيا وللحياة؛ فنراها من خلال أغنية، أو رسمة، أو لوحة راقصة، أو عملا إبداعيا.
التأمل يساعدنا على اكتشاف العالم في لحظات التجلي والصفاء الذهني، فنعيد رسمه على أسس جديدة بمحتواه الإنساني الأرقى والأشمل.
العمل والبحث والإنجاز والمغامرة والنجاح والفشل.. جميعها تبهرنا، وأحيانا تصدمنا، ولكنها في كل مرة تُخرجنا من الإيقاع الممل والمكرر للحياة، لتعطيها طعما مختلفا.
ولكن الموت البيولوجي ليس هو الشكل الوحيد للموت.. يموت الإنسان إذا تقوقع وانطوى على ذاته، ويموت إذا جعل شهواته تطبق عليه في سجن الغرائز، وإذا ذاب في المجتمع وخضع لنظامه كما تخضع الشاة للقطيع، ويموت إذا خسر حريته، أو خبَتْ عزيمته، أو تخلى عن كرامته. وأيضا تموت الذكريات البعيدة، الصداقات، المفاهيم والقيم الاجتماعية، لتحل محلها مفاهيم جديدة، وصداقات أُخرى..
إن أكبر ما يصيب الإنسان ويودي به إلى الموت يأتيه من داخله. ومع ذلك: كثيرا ما يموت بفعل عوامل خارجية لا دخل له بها، وكذلك تنهار المجتمعات من داخلها..
التحدي الأكبر، هو أن نكون أقوى من عذاباتنا، وأن نتعايش مع أحزاننا، أو نتجاوزها.. لننطلق في دروب الحياة..
ومع كل ما قيل وكُتب عن الحياة والموت، يبقى لغزهما، اللغز الأكثر غموضا.. والأكثر بساطة.. فعلى هذي الأرض ما يستحق الحياة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق