أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

أكتوبر 12، 2016

رحلة الحياة.. البدايات والنهايات

             البدايات                            
لا أحد يعلم على وجه اليقين متى وُلد هذا الكون، ولكن العلماء متفقون أنه بدأ بانفجار عظيم، ويقدمون شرحا بالتفصيل الممل عمّا حدث خلال الدقائق الثلاثة الأولى من هذا الانفجار الذي بدأ في نقطة ما، في لحظة ما.. هي ليست بلحظة.. ليس قبلها أي زمان، ولكنها ستلد الأزمان كلها، هي قبل ذلك لا شيء، ولم تكن في أي مكان، ولكنها عمّا قليل ستملأ الآفاق.. نقطة متناهية الصغر، ولكنها ستُنجب كونا كاملاً.. يلفها ظلام دامس، أو بياض مدهش، لا أحد يعرف، فلا وجود للألوان.. قبل ذلك لم تكن حارّة، ولا باردة، فلا يمكن قياسها.. بعد برهة ستصبح لا متناهية الحرارة، حتى أن حرارتها ستفوق الوصف.. نقطة واحدة بكثافة لا نهائية اختزلت كل هذا الكون، وحبلت به لأجزاء ضئيلة من الثانية، بكل طاقته الكامنة. هذه النقطة بمثابة الصندوق الأسود، الذي يخبئ داخله كل أسرار الكون وألغازه، والذي حتى لو عثرنا عليه؛ لن نتمكن من فتحه وكشف محتوياته.


يصف "ستيفن هوكنغ" لحظة الانفجار الأول: كانت قوانين الفيزياء معطلة؛ وبالتالي عاجزة عن استشفاف المستقبل، ولكن بعد حوالي جزء من مائة من الثانية، وهي أقدم لحظة يمكن للعلماء أن يصفوها بشيء من الدقة، ستهبط درجة الحرارة إلى مائة مليار درجة مئوية، ثم تواصل هبوطها حتى تبلغ العشرة مليارات، ومع استمرار تبريد هذا الحساء الكوني وتناقص كثافته وفي أجزاء قليلة من الثانية الأولى ستصبح النقطة بحجم المجموعة الشمسية، وبعد ثلاث دقائق من الانفجار العظيم ستتشكل النواة الأولى، فمع هبوط درجات الحرارة، باتت التفاعلات النووية ممكنة. وبعد ثلاثمائة ألف سنة، وهي في عمر الكون تقارب الزمن اليسير بين ولادة الطفل من رحم أمّه وصرخته الأولى، سيبرد الكونُ إلى 4000 درجة مئوية، عند تلك الحظة سيوُلد النور لأول مرة.

وبعد ثلاثة مليارات سنة ستظهر النجوم الأولى داخل زوابع هائلة من غبار النجوم، ثم تتشكل المجرات، ولكن علينا أن ننتظر خمسة مليارات سنة لنشهد ميلاد شمسنا الدافئة، ثم خمسة مليارات أخرى ليولد كوكبنا الأم، مع عائلته الصغيرة: المجموعة الشمسية.
وبعد نصف مليار عام من ميلادها، سيضرب الأرض كوكيبا اسمه ثيا، وسينشأ عن هذا التصادم تطاير أجزاء من قشرة الأرض سيحل محلها فيما بعد المحيط الهادي، فيما هي ستشكل القمر.
نحن الآن على صهوة كوكب مجنون، حرارته خرافية، يدور حول نفسه بثلاثة أضعاف سرعته الحالية، والقمر أقرب إليه من منـزلته الحالية بخمسين مرة (ربما كان أجمل بخمسين ضعف)... الآن تموج الأرض بالبراكين والزلازل، غلافها الجوي بلا حماية، ويابستها خراب، لا ماء فيها ولا هواء، ولا أثر لكائن حي، فلا شيء فيها يُغري للعيش.. سيمضي على هذا الحال ملياري عام، قبل أن تهدأ سرعتها وتبرد، وتملأ قيعانها بماء المحيطات القادم من الفضاء محمولا على صهوات النيازك، وتكوّن حولها غلافاً من الأوكسجين والغازات، وتتهيأ عليها الظروف لانبثاق أول أشكال الحياة.. ثم مليارين آخرين لتسمح بأول الكائنات أن تخرج للوجود.. ثم بضعة مئات من ملايين السنين موعد الانفجار الكامبري، ليكسوها غطاءً أخضر، وأصنافا شتى من الكائنات، ثم ملايين أخرى قبل أن يَنطِق أول إنسان بأول الكلمات..
خلال هذه الملايين الكثيرة من السنين، امتلأ كوكبنا بأشكال لا حصر لها من الحياة، كانت في كل مرة تُفجع بكارثة بيئية، أو تُصدم بجرم فالت من أطراف السماء، فيحدّق كل من على الأرض مباشرة بعينيّ الفناء، فتجّرب الأرضُ نوعا آخر للحياة، حتى تنجح أخيرا في تكوين مشهدها الخلاب.

وبعد مليوني عام من ظهورنا لأول مرة، وبعد خمسة آلاف سنة من اختراعنا للقلم، وما بينهما من تاريخ طويل من اللاوعي، نكون أول كائن حي يكتشف نفسه كناتج أخير لهذا المسلسل الطويل من التعقيد، وأول كائن يعي نفسه وما حوله، ولديه القدرة على إعادة رسم هذا الخط الممتد الطويل والعودة به إلى الوراء، حتى بداياته الأولى.
من وحي هذه القصة، ما زال أمام العلماء والمؤرخين مهمة لم تكتمل بعد، وهي اشتقاق تاريخ الإنسانية وصبّه في مجرى تاريخ الكون. ليدرك الإنسان مكانه ومكانته في هذا الكون الواسع. لعله يجيب على أسئلته المؤرقة: هل نحن وحدنا في هذا الفضاء؟ ولماذا نحن على هذه الأرض؟ ولماذا هي الحياة؟

يقول "كارل ساجان": اليوم، لو سافرنا في الفضاء الخارجي، وهبطنا على القمر سنرى أرضنا العزيزة بحجم بطيخة، ولو واصلنا المسير واقتربنا من المشتري سنرى كوكبنا العظيم بحجم رأس دبوس، ولو خرجنا من المجموعة الشمسية ستبدو لنا الأرض مجرد نقطة باهتة في الأفق البعيد، بالكاد نلمح منها وميضا خافتا.. ولو غصنا أكثر داخل درب التبانة، سنرى مجموعتنا الشمسية بأكملها مجرد نقطة معلقة في فضاء مجهول، أما إذا خرجنا من مجرتنا وتهنا في الفضاء المترامي الأطراف بلا حدود، ربما تبدو لنا مجرتنا بكل عظمتها وبهائها مجرد نقطة أصغر من ذرة منثورة على شاطئ بحر..
ذلك هو الكون الذي نعيش فيه؛ مليارات المجرات والنجوم والثقوب السوداء، حدود خرافية لا متناهية في العظمة والاتساع.. ولو أدخلنا بطريقة ما إنساناً إلى هذا الكون الفسيح؛ فإن احتمال أن يجد نفسه على كوكب الأرض بالصدفة سيكون احتمال يقل عن واحد من مائة ترليون احتمال.
الآن، لنعد أدراجنا إلى حدود مجموعتنا الشمسية، لنلقِ نظرة من هناك على كوكب الأرض، رغم أننا لن نرى سوى نقطة زرقاء باهتة متناهية في الصغر (كما وصفها ساجان).. بالكاد يظهر منها وميض طفيف، لكنها في حقيقة الأمر كوكب الأرض؛ موطننا، حيث نعيش، وحيث توجد عليه كل آمالنا وأفراحنا وأحزاننا وصراعاتنا... ورغم ضآلة حجمه، وضآلة تاريخ الإنسان فوقه، إلا أن هذا الإنسان هو بالنسبة لنا كل شيء.. فهو الكائن الوحيد الذي يعي هذا الكون، وما زال رافضا الاستسلام أمام اتساعه وعظمته.
أيها الإنسان، تواضَع لله، فما أنت سوى طيف عابر، أدنى من فراشة حطت على ظهر الجبل، ستصبح ذكرى عمّا قليل، ثم لن يذكرك أحد..
النهايات 
كما يموت الأفراد؛ تموت الشعوب والحضارات، وعبر تاريخ البشرية عشرات الشعوب ماتت، ولم يبقَ منها سوى بعض الأطلال.. الحياة على الأرض اختبرت الموت الجماعي مرات عديدة، فقد تعرضت الأرض سابقا لستة كوارث كبرى، كانت في كل مرة تُلحق دمارا وتخريبا هائلين، وتتسبّب بانقراض معظم سكان الكوكب.

وحاليا، تتعرض الحياة على كوكب الأرض لانقراض سابع كبير، والسبب هو الإنسان، بممارساته الخاطئة، وبتعدّياته على موارد الأرض وكائناتها. فخلال الخمسين عاما الماضية، انقرضت مئات الآلاف من الكائنات الحية، بمعدل انقراض أكثر 40 مرة عما كان عليه قبل مائتي عام..

والانقراض الجماعي لعدد كبير من الكائنات ليس هو السيناريو الوحيد المحتمل لنهاية الحياة على الأرض، فهناك ما لا حصر له من السيناريوهات، وربما كانت هذه المادة المفضلة لمنتجي هوليود، حيث تم إنتاج عدد كبير من الأفلام السينمائية التي تتخيل فناء الحياة الحالية، إما بعد حرب نووية، أو على إثر إعصار شمسي، أو بسبب زلزال مدمر... وتتخيل تلك الأفلام شكل الحياة الجديدة التي نجت من الدمار، وترسم صورة لبقايا بشر جفت من قلوبهم معاني الرحمة والإنسانية، وارتدّوا إلى بدائيتهم، وراحوا يقتلون بعضهم بعضا.

ومن أبرز تلك النهايات المأساوية المحتملة, ارتفاع معدل درجة حرارة الأرض بمقدار خمسة درجات مئوية بسبب الانحباس الحراري، أو بسبب انهيار طبقة الأوزون.. وهناك احتمال أن ينهي القمر الحياةَ على الأرض؛ فإذا كان هذا القمر من بين أسباب نشوء الحياة على الكوكب؛ خاصة بعد أن اقترن مع الأرض بدورانه الشهري حولها بما يشبه رقصة التويست، فإنه نتيجة تباعده عنها رويدا رويدا سيرقص معها رقصة عناق الموت؛ الأمر الذي يعني أنه لا بد أن يأتي اليوم ويفلت القمر من مجال جاذبية الأرض، لتلتهمه إحدى الكواكب العملاقة، أو ليحترق في جوف إحدى النجوم؛ حينها ستصبح ليالي الأرض ظلام دامس. وهذا لن يكون تأثيره سلبيا على العشاق والشعراء وحسب، بل سيعني توقف الحياة على الأرض.

الاحتمال الآخر للنهاية أن يدمر ارتطام مباشر لإحدى الكويكبات مدينة بأكملها في غضون ثانية واحدة، فتصبح أثرا بعد عين، فقد اعتاد كوكبنا على تلقي ضربات من كويكبات فالتة بمعدل مرة كل بضعة ملايين سنة، واكتشف علماء الجيولوجيا أن تدميرا بيئيا واسعا يحدث دوريا كل ثلاثين مليون سنة، وهو رقم ضئيل بالنسبة لعمر الأرض، كما أن الحركة البندولية لمحور الأرض تجري بانتظام، وتسبب حلول عصور الجليد، وكانت آخر مرة نفلت فيها من قبضة الجليد قبل 12500 عام. وهو رقم بسيط في عمر البشرية.

وإذا تسببت الأنفلونزا العادية بمقتل نحو 20 مليون إنسان في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أي أضعاف ما قتلتهم الحرب، فإن فيروس ما، هو في علم الغيب الآن، سيكون سببا لانتشار وباء عظيم، سيخرج عن نطاق السيطرة، وسيؤدي إلى موت مليارات البشر.

إذا ما تحقق أيٍ من هذه السيناريوهات التي تهدد بفناء الحياة على الأرض، فإن وقوعها وإن كان بالنسبة للكائنات كارثة الكوارث، إلا أنها بالنسبة للأرض حدثا عاديا؛ فلو مات كل ساكني الكوكب، من بشر وحيوانات ونباتات؛ فإن الأرض ستواصل بكل برود أعصاب دورتها التقليدية حول الشمس، وستواصل رحلتها الأبدية في الفضاء الفسيح. ولكن هذه المرة بدون ركاب.
ومع كل هذه التصورات المرعبة، يثور السؤال: ما الفرق بين شخص تناول عشاءه الأخير ثم خَلد للنوم ولم يستيقظ بعدها، أي أنه توفي بهدوء وسلام، حتى دون أن يشعر بموته! وبين موتٍ يخطف حياة ملايين البشر في لحظة واحدة، نتيجة قصف نووي، أو بسبب ارتطام نيزك.. بحيث لا تتاح الفرصة لهؤلاء أن يشعروا بالألم؟! الإجابة فقط في بلاغة الإنشاء.

ليست الأرض الوحيدة التي يتربص بها خطر الفناء؛ الشمس أيضاً معرضة للموت، وما نفاذ وقودها النووي، وتحولها إلى قزم أبيض إلا مسألة وقت، عندها سيستغرق دمار الأرض ثماني دقائق فقط، هي المسافة بين الأرض والشمس حسب سرعة الضوء، وإذا لم تدَمَّر حينها، ستفلت من عقال الجاذبية، وستضيع في الفضاء، حتى يبتلعها ثقب أسود. وبذلك تُسدل الستارة مرة أخيرة ونهائية على قصة وجود البشر والكائنات الحية على كوكب كان يدعى الأرض.

مجرّتنا العظيمة "درب التبانة" ستواجه مصيرها المحتم بالفناء، عاجلا أم آجلا، وقد وضع العلماء تصورات عديدة لتلك النهايات، عالِم الفيزياء الكونية "بول ديفيز" يقول في كتابه الدقائق الثلاث الأخيرة: "يتوهج درب التبانة بضوء مائة مليار نجم، كل نجم منها سيقع ضحية القانون الثاني من قوانين الديناميات الحرارية، وسيقضي نحبه في غضون عشرة مليارات سنة، بعد أن يستنـزف حاجته من الوقود، وبعد بضعة بلايين من السنين وبطريقة بطيئة ومعذبة ستلقى آخر النجوم حتفها، وعندها سيحل الليل مرة أخيرة وإلى الأبد".

والمصير نفسه الذي لاقته درب التبانة تنتظره بقية المجرات، بعد أن تستنفذ طاقتها النووية، وتنطفئ شعلتها، وعندها سينتهي عصر النور بلا رجعة.

فالكون بأكمله سينتهي؛ إما بسبب انفجاره بعد أن يتوسع إلى الحد الأقصى تماما مثل البالون، أو بسبب تقلصه تحت وطأة قوى الجاذبية، وعندما يتسارع انهيار الكون سترتفع درجات الحرارة بدوت توقف، فتنضغط المادة بقوة كبيرة، حتى تختفي معها البروتونات والنيترونات من الوجود، ولا يبقى من أثر الكون إلا سحابة الموت، ليتهيأ المسرح للكارثة الكونية النهائية، والتي ستحتاج أجزاء ضئيلة من الثانية.

في اللحظات الأخيرة من عمر الكون، ستسيطر قوى الجاذبية بصورة شاملة، فتسحق بلا رحمة المادة والمكان وتزيلهما تماما من الوجود، وتزيل معهما كل شيء فيزيائي: المكان والزمان والطاقة. وهذا هو الانسحاق العظيم الذي سيعلن انتهاء المادة، ونهاية كل شيء، وبما أن الزمن نفسه سيتوقف عند هذه اللحظة، فإنه لا معنى لسؤالنا: ماذا بعد ذلك؟ لأنه ليس ثمة شيء بعد ذلك. ولا معنى لأي سؤال آخر، في كون قُدِّر له أن يستنفذ زمنه بالكامل.

تذكّروا أن كل تلك النهايات الحزينة ستحدث بعد موتنا بزمن طويل، فلا داعي للقلق.
(أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدَهُ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللّهِ يَسيرْ).


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار