أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يوليو 16، 2016

رحلة مع العصافير


في كل صباح، أطل من نافذة المطبخ على أشجار حديقتي؛ شجيرتي رمان، وثلاث زيتونات، وشجرتي تين كبيرتين، ومشمشة باسقة، وتفاحة واحدة، وداليتين.. وأزاهير برية متناثرة.. وما أن أشرع بملئ رئتي بنسمات الصبح الندية، الآتية من صوب الغرب، حتى تبدأ عصافير الحديقة بالزقزقة والتغريد، فيكتمل المشهد.. أحيانا أفتتح نهاري بعصفور الشمس الفلسطيني؛ متنقلا بين الأغصان، بمنقاره الأسود وريشه الداكن، الذي يتوهج بلمعان أزرق كلما رفرف قبالة الضوء، وإذا طار تظهر خصلة برتقالية أسفل صدره تتوسط هالة رمادية، وإذا لمح قرينه يبدأ بالغناء بصوت عالٍ وسريع، يشبه الخشخشة.


وأحيانا تكون البداية مع الحساسين.. طيور بهيّة، وجهها أحمر، ورأسها أسود صغير، في أعلاه وجنتين بيضاوتين، جناحيه أسودين يتخللهما شريطٌ أصفرٌ مُذهَّب، منقاره عاجي بوسعه استخراج بُذور الشوك دون أن يُجرح، أما صوته الشجي، فيأخذك بسحره نحو الغيوم.. يبدأ بتغريدة رخيمة وهو يحرك رأسه يمنة ويسره، تليها زغرداتٌ موسيقية عذبة، تزداد وتيرتها وتنخفض وهو يحرك رأسه للأعلى وللأسفل، مثل مطرب محترف..

وأجمل الصباحات تلك التي تفتتحها البلابل، أجمل العصافير المغردة، رأسها أسود تحيط عينيها هالات بيضاء، صدرها رمادي مكتنز، موشح بالأصفر، وأحيانا بالقرمزي، غناؤها الفريد أنشودة الطبيعة البكر.. لا يجاريها إلا شحرور الوادي، أو عصافير الكنار، وهي تعزف على أوتار القلب في المساء سيمفونيتها الفاتنة..

ومن العصافير التي أحب زيارتها وأخشاها؛ عصفور المينا، أحبه لجماله وجرأته ومرحه، وقدرته على تقليد الأصوات، ولأنه رمزا للحب في الهند؛ فالذكر والأنثى، يبقيان معاً كزوجين مدى الحياة، ولأنه عكس الكنار رفض قيود الأقفاص، وتمرد عليها.. أخشاه لأنه هرب إلى البيئة الفلسطينية ليزاحم عصافيرها، فهو عدواني، يخرب أعشاش الدوري ويقتل صغارها..

لكن بداياتي مع العصافير كانت سيئة؛ فعندما كنت طفلا شاهدتُ عصفورا يتفيأ ظل زعرورة، فرميته حجرا، ولسوء حظه؛ كانت إصابة مباشرة بالرأس.. وذات مرة، خرجنا مجموعة من الأولاد للصيد، فعثرنا على عشٍ بين النتش، نصبنا الفخ قبالته مباشرة، وحين عادت الأم لإطعام صغارها، وجدتْ دودةً جاهزة بانتظارها؛ فأطبق عليها الفخ.. لا أدري كيف كنا بهذه القسوة، وهذا النزوع الغريب للعنف!! ما زلت نادما على تلك الفِعلة، وأعتذر للعصافير عنها كلما لاحت لي الفرصة.. في أيام الصيف القائظة، أملأ بعض الأواني بالماء، لتروي ظمأ عصفور أدين له بالاعتذار، وفي ليالي الثلج، أنثر بعض فتات الخبز على طرف الشباك.. لعل عصفور جائع يلتقطها.. وطالما أتى زوجان من اليمام في بداية الربيع، ليختارا نافذتي موطنا لعشهما، فأتغاضى عنهما، إلى أن يشتد عود صغارهما، ويغادران العش دون رجعة..

ذات مرة، أهداني صديقٌ زوجاً من الكنار، ملأا البيت موسيقى وبهجة بتغريداتهما الرائعة.. لكنا أشفقنا عليهما من الحبس، فبنيت لهما قفصا كبيرا في فناء الحديقة، تزوره الشمس والريح، بنافذة مفتوحة على زرقة السماء.. مساحته تكفي لجناحيهما ليخفقا عاليا، تحيطه أربع أشجار من زواياه الأربع، وتتوسطه تشكيلات فنية من الأعشاش الخشبية والمراجيح والحبال المزينة.. عصر ذلك اليوم نقلتهما لمسكنهما لجديد، كان الفصل صيفا، ولديهما كل أسباب الحياة، لكنهما لم يتحملا برد الصيف، في الصباح وجدت الذكر ميتا، أقام له الأولاد جنازة مهيبة ودفنوه باحترام وحزن، وقبل أن يحل المساء كانت الأنثى قد قضت كمدا على فراق شريكها.. من يومها حرّمت على نفسي اقتناء العصافير..

ما يحزنني أن ضيوفي من العصافير لا تقيم في الحديقة، تأتي زائرة وتغادر.. أكثرها عصفور الدوري، وبين فينة وأخرى ألمح أسرابا من السنونو، والزرازير، والقبرة والهدهد ونقار الخشب، وأنواعا أخرى لا أعرف اسمها..  الكاتبة اللبنانية "بادية فحص"، حين أرادت أن تذم طهران، قالت عنها: "تمل من كثرة الأشجار فيها، لأن أشجارها لا تحمل في أحشائها عش عصفور".. الشجرة التي لا تضم عشاً شجرة خرساء..

رغم جمالها وهي تتطاير من غصن إلى غصن، لم أحاول أن ألتقط لها أي صورة؛ فتلك مهارة أفتقدها.. المصور المبدع "أسامة السلوادي" التقط أجمل الصور لطيور فلسطين وأزهارها، وضمها في كتبه المميزة (طيور فلسطين، أرض الورود وغيرها)، وثقها ونقلها للعالم، ليظهر مفاتن فلسطين ومواطن الجمال فيها..

في فلسطين، ، توجد 65 عائلة من الطيور، تضم 511 نوعاً، كل نوع أجمل من الآخر.. فضلا عن مائة نوع من الطيور المهاجرة، التي تزور البلاد صيفا وشتاء في رحلتها السنوية.. ذكرتُ منها فقط ما اشترك معي في فضائي الصغير، وما حل ضيفا على ذاكرتي..
معظمنا أساء للعصافير بشكل أو بآخر، اعتذروا لها بطريقتكم الخاصة؛ فهي كائنات لطيفة.. وعشقها أحلى طريقة للإحتفال بالحياة..


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار