أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

فبراير 23، 2016

لماذا يكرهون عيد الحب?


كما يشدّك جمال الجملة الأولى في الرواية نحو السطر الأخير. وكما يحملك العازف الماهر بموسيقاه إلى عوالمه الحالمة، فيأخذ أعصابك ويجعل منها أوتارا لآلته، يحركها بأنامله، يريحها، ويشذبها ويعيد تكوينها من جديد. وكما تتسلل الأغنية الشجية بخفة ونعومة من تحت مشاعرك، فتوقظها. وكما يسافر بك الفيلم الشيّق نحو الفضاء الفسيح، ويدخل في ثنايا روحك وتفاصيل يومياتك، ينقّب عن أسرارها الدفينة .. بنفس الآلية، وبكل عذوبة يفعل بنا الحب أفاعيله .. يسمو بأرواحنا، ويهذبها، ويخلصنا من أدران الجسد ونزواته البدائية، وينقي سريرتنا كما لو أنه السحر ..

إلا أن الأيديولوجيات المتزمتة حرّمت علينا الحب، تماما كما حرّمت كل الفنون؛ وحاربته كما حاربت كل أشكال الجمال ..

في السعودية تحظر السلطات أي مظهر لعيد الحب، بما في ذلك حمْل وردة حمراء، أو شراء أي شيء ملفوف باللون الأحمر حتى لو كانت علبة سردين، وفرضت حراسة مشددة على كل طاولة تصلح للقاء عاشقَيْن، وفي مناطق أخرى تسابقت دوائر الإفتاء على تحريم تبادل الهدايا في هذا اليوم، الذي جعلوا منه مؤامرة على الإسلام !! 


وفي سياق متصل، في مشهد عبثي (منشور على اليوتيوب) تتناول مجموعة من شيوخ "الوهابية" بعض الآلات الموسيقية ويطيحون بها ضرباً وتكسيرا وسط حشود هائجة مزهوة بانتصارها على "فتنة الموسيقى"، وفي مشهد لا يقل عبثية، تخرج مجموعة أخرى من نفس الفصيلة وتهاجم مسرحية في السعودية، فتحطم كل ما على المسرح، وتنهال ضربا على الممثلين !!

وفي غزوات أخرى مماثلة، حطّموا تمثالاً "للمعري"، ومجسّماً لِ"أبي نواس"، ونُصُبا "للمنصور"، وحرقوا مكتبة في بغداد، وأخرى في القاهرة، وهدموا "جاليري" في غزة، ونهبوا وحطموا آثار تدمر، ومتاحف العراق كلها، ودمروا مقبرة مسيحية في ليبيا، حتى أنهم هدموا جامع ومقام "النبي يونس" في الموصل !!

كل هذه الإعتداءات تنطلق من جذر فكري واحد، يعود للأيديولوجيا الوهابية، والتي بفضل الدعاية السعودية صارت لدى كثيرين بديلا عن الإسلام الحقيقي، وثمة فرق كبير ما بين الدين الخالص الذي أنزله الله على أنبيائه الصالحين، والدين الوهابي الموروث، فالأول ظلَّ بصورته الأولى؛ جميلا نقيا يخلو من كل أشكال الكراهية والتعصب، منسجما مع جوهر الإنسان؛ أما الثاني؛ فقد عبثت به مصالح الأقوياء، وصادره أصحاب الأيديولوجيات، وحولوه إلى عادات اجتماعية أكسبوها صفة القداسة.

خلق اللهُ الإنسانَ جميلا، وبأحسن صورة، وأسكنه أرضاً جميلة، وأنزل عليه دينا جميلا؛ فلماذا يحرّم هؤلاء كل ما هو جميل !؟ الدين أساساً أتى لنصرة المقهورين، ولإقامة العدل، ونشر الخير والمحبة والسلام وللاحتفال بالحياة التي وهبها الله للناس كافة؛ فلماذا يصر البعض على تعميم ثقافة الموت، والكراهية ؟!

وصل بهم التزمت أنهم رفضوا ترتيل الشيخ "المنشاوي" للقرآن، لأنه كان يتغنّى بجمال القرآن؛ فيقرأه بصوتٍ حرّ وعفويّ شجي، محلقا في فضاء مبهر، وأرادوا بدلا منه مقرئين تشتمُّ فيهم رائحة البترول. وحرّموا عيد الأم، وعيد الشجرة، وحرّموا حتى الاحتفال بعيد "المولد النبوي الشريف" بحجة أنه بدعة .. ولأن الأمة الإسلامية ليس لها سوى عيدين، فهي أمة جدية، ومشغولة في المصانع والمختبرات والاختراعات ولا وقت لديها لترف الأعياد ..

هل نتوقع منهم السماح بعيد الحب ؟!

حرّموا عيد الحب بحجة خرافة القديس "فالانتاين"، وحرمة التشبّه بالكفار !! وفي حقيقة الأمر، حرموه لأنهم لا يعرفون الحب، لم يختبروه مرة واحدة، فهم لا يرون المرأة إلا وعاءأ للجنس، ولا يفهمون الزواج إلا باعتباره عقد نكاح، يمتلك بموجبه الذكر روح المرأة وجسدها .. وفي الواقع، من يرفض عيد الحب، يرفض الحب نفسه، وسيرفض بعد ذلك الفن والجمال وكل ما يتصل بهما من معانٍ وقيم سامية، وبالتالي سيدعو للكراهية حتى لو لم يدرك ذلك، لأن غياب الحب يفتح باب الكراهية؛ والكراهية هي أساس كل الشرور، ولا يقضي عليها إلا الحب؛ فالحب هو الذي يغير الإنسان ويرتقي بالمجتمعات ..

حرّموا التمثيل، والتصوير، والنحت، والرسم، والغناء، والرقص ... لأن البيئة القاحلة التي نبتت فيها الوهابية، في صحراء نجد، لا تورث إلا جفاف الروح، وتصحّر المشاعر .. ولأنهم عاشوا طويلا في عزلة وانقطاع عن حضارات الشعوب الأخرى .. ولم يكن غريبا أنهم أنجبوا فيما بعد "داعش"، والفكر الداعشي ..

حرّموا عيد الحب، وأباحوا سبي النساء وبيعهن، وحوّلوا شوارع الموصل إلى أسواق نخاسة، أوقفوا الاجتهاد، وقيدوا التفكير، ورسخوا ثقافة النقل والنسخ وقداسة النص والعنعنة، لأنهم يخشون طرح الأسئلة الكبرى، ولم يألفوا التفكير الحر الإبداعي المتحرر من كل التابوهات .. في آخر فتوى لمفتي السعودية حرم الشطرنج .. لأنها لعبة تعتمد على التفكير ..


وهؤلاء المدّعين هم الذين فرّغوا الإسلام من مضامينه الرائعة، وحوّلوه من دين التسامح والرحمة إلى دين جديد مختلف، قوامه التشدد والتزمت وتحريم كل شيء. ولو استعرضنا سيل الفتاوى التي خرجت من أفواههم، والتي تعكس ضحالة فكرهم؛ لوجدنا العجب العجاب، ما يتنافى مع المنطق والذوق الإنساني، وما هو مثير للسخرية، وللأسف نجد من يأخذها على محمل الجد. 

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار