أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يناير 21، 2013

الحرب في مالي .. هل هي حرب على الإسلام !؟


مقدمة

لا تختلف جمهورية مالي عن مثيلاتها الإفريقية في تاريخها وطبيعتها الدولانية سوى أنها كانت قديما أكثر ثراء، وعلى نحو يفوق التصور، وقد كانت "تمبكتو" المثال الحاضر في الروايات والأساطير؛ ويبدو أن الذهب بشكل خاص هو سر قوتها، ونقطة ضعفها التي جلبت لها الطامعين، وقيل أن الملك «منسي موسى الأول» هو أغنى رجل على مر التاريخ، وكان لديه أطنانا خرافية من الذهب والملح، (كانت قيمة الملح في عصره تعادل الذهب) وكانت مملكته تنتج نصف الذهب والملح في العالم. وفي رحلته إلى الحج عام 1324، احتاج 12 ألفا عبد ليحملوا أطنانا من الذهب، أغدق منها على كل مسؤول مرَّ بطريقه، لدرجة أن كرمه هذا أدى لخفض سعر الذهب العالمي لفترة طويلة.

تقع مالي في الغرب الإفريقي، وتعني "مالي" باللغة الماندية: "حيث يعيش الملك"، وهي دولة داخلية لا منفذ لها على البحر، وقد تأثر شعبها بالمرابطين، والهاربين من جحيم القشتاليين إبان سقوط الأندلس، فاعتنقوا الإسلام. ويتألف شعب مالي من خليط من القبائل الزنجية الأصيلة، أهمها "المانديك" وهم أولاد عمومة لقبائل "السونتيك" وقبائل "الستوسو"؛ وجميعهم يتكلمون لغة واحدة هي اللغة الماندية، وهناك قبائل الطوارق في الشمال، وأقلية تتكلم العربية، وبعض القبائل الأفريقية كالصونغاي والفلات.

في نهاية القرن التاسع عشر اخضع الفرنسيون منطقة الغرب الإفريقي لحكمها الاستعماري، وفي عام 1960 استقلت كل من الجمهورية السودانية والسنغال عن فرنسا مكونة ما عُرف بفدرالية "مالي". وبعد أقل من سنة انسحبت السنغال، وتم تغيير تسمية الجمهورية السودانية إلى اسمها الحالي: "مالي". وفى عام 1974 صدر دستور جديد جعل مالي دولة الحزب الواحد، يسيطر عليها حزب الشعب المالي الديمقراطي الاشتراكي المدعوم من الاتحاد السوفييتي. وفى أواخر الثمانينات قوّت مالي علاقاتها مع العالم الغربي, وانتهجت سياسات السوق الحرة والخصخصة، بينما راح النفوذ السوفيتي هناك يضعف. وفي العام 1991 تم إنهاء الحكم الدكتاتوري بانقلاب أتى بحكومة انتقالية. وفي العام التالي أُجريت أول انتخابات رئاسية ديمقراطية، وتم تعديل الدستور ليصبح نظام الحكم تعددي.

ورغم ثرواتها الطبيعية إلا أنها ما زالت تصنف من بين الدول الأكثر فقرا في العالم، ويعيش فيها الفرد على ما يقارب الدولار يوميا. وإلى جانب الفقر والتخلف تعاني مالي من الفساد الإداري، وضعف الجيش، ونزعات الانفصال لدى الطوارق، ومؤخرا تغلغلت فيها العديد من الحركات الأصولية، وأهمها تنظيم القاعدة، مستغلة حالة الفوضى التي تعم البلاد.

 صراع عقائدي، أم صراع على السلطة ؟!

دأب الخطاب الإسلامي على تصوير كل حرب تُشَن ضد أي بلد إسلامي، أو أي اعتداء تتعرض له طائفة من المسلمين على أنه هجوم على الإسلام، ومنهم من يربط ذلك بالحروب الصليبية، أو بمؤامرة كونية تستهدف استئصال الإسلام من جذوره، والقضاء عليه نهائيا .. وفي المقابل يحرص الإعلام الغربي على إظهار المسلمين بصورة المعتدي، وربط سلوكهم بالإرهاب والتخلف. واعتدنا – نحن المقهورون في كل أرض – على الانحياز لرواية المستضعفين، وتكذيب كل ما يقوله الغرب (الكافر، المعتدي، المحتل ...). ولكن السؤال، أين هي الحقيقة ؟ وهل كل ما يقوله الإعلام الغربي كذب وافتراء ؟ وهل علينا أن نسـلّم بالرواية الأخرى لمجرد أن الضحايا مسلمين ؟! وهل فعلا نحن الضحايا دائما ؟ والآخرون هم المعتدون ؟؟

لو أردنا أن نفهم حقيقة الحرب الدائرة حاليا في "مالي"، انطلاقا من الإجابة على الأسئلة السابقة، سنجد أنفسنا أمام أسئلة أخرى، مثل: بماذا تختلف هذه الحرب عن الحروب الأخرى التي تشنها الإمبريالية في مختلف مناطق العالم !؟ وبماذا يختلف الصراع المحتدم في "مالي" عن الصراعات التي شهدتها القارة السمراء في القرن الأخير ؟! ولماذا علينا أن نرى انقلاب الجماعات الإسلامية على النظام مختلفا عن نحو مائة انقلاب إفريقي جرت بعد تحرر إفريقيا من الاستعمار ؟

قبل الإجابات لنتذكر أن أغلب الانقلابات التي جرت في أفريقيا (وغيرها) كانت دموية، وكثيرا ما صاحبها حرب أهلية، يروح ضحيتها الآلاف، وبالرغم أنها جميعها كانت في جوهرها صراع على السلطة، إلا أن الانقلابيين كانوا في كل مرة يسوقون الحجج والذرائع، ويرفعون أسمى الشعارات. والمفارقة أن أسماء الحركات الانقلابية كلما كانت أجمل وتحتوي كلمات مثل: الحرية والتقدم والديمقراطية والعدالة ... كلما كان سلوكها أفظع وأبشع، ومعاكس تماما للشعار ..

ومنذ نحو عامين، أثارت أزمة شمال مالي انتباه العالم، خاصة بعد انتقال تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي إلى هذه المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المالية وبين الانفصاليين الطوارق. ومع سقوط نظام القذافي احتدم الصراع على نحو خطير.

قبل بدء المعارك، كانت حركة تحرير أزواد (العلمانية) وحركة أنصار الدين (الإسلامية) والحكومة المالية قد تشاركت في حوار سياسي انطلق في الجزائر، من أجل التوصل إلى حل سياسي يرضي جميع الأطراف، ويجنّب البلاد ويلات الحرب والتدخل الأجنبي. ولكن الجزائر التي طالما سعت الى تكريس تلك الرؤية، أعلنت وبخطوة مفاجئة بعد فشل الأطراف في الإجماع على صيغة توافقية عن دعمها للتدخل الفرنسي، لوضع حد لهذا الصراع الذي بات يهدد حدودها. ويفسر بعض المراقبين هذه السابقة في تاريخ الجزائر على أنها ثمار تفاهمات بين الرئيسين الفرنسي والجزائري؛ بحيث تفتح الجزائر مجالها الجوي أمام المقاتلات الحربية الفرنسية، مقابل تجديد ولاية الرئيس بوتفليقة لفترة رابعة.

لكن مسؤولين جزائريين دافعوا عن موقفهم بحجة حماية الحدود من الإرهابيين والمهربين، وعبّروا عن مخاوفهم من اتساع نفوذ الحركات الجهادية، ومن عودة العنف مجددا للجزائر على النحو الذي شهدناه في تسعينات القرن الماضي.

وتبرر فرنسا عدوانها وتدخلها في بلد أجنبي بتصريح وزير الدفاع "جون لودريان" الذي قال فيه: "أن حكومته لن تسمح بسقوط العاصمة باماكو في أيدي الإرهابيين الذين يهددون مصالحنا ورعايانا في هذا البلد الصديق".

ويبدو أن الحقيقة شيء مختلف؛ إذْ يؤكد الكثير من المراقبين أن الهدف من الحرب على مالي هو السيطرة على اليورانيوم، سيّما وأن المنافسة تشتد على استثمارات عملاقة في القارة الإفريقية بين الدول الصناعية، ومن بينها التنافس بين شركة AREVA الفرنسية مع شركات صينية عملاقة، حيث تدعم أمريكا النفوذ الفرنسي في مواجهة القوة الصينية الصاعدة، وهذا يعني أن الشعارات التي ترفعها فرنسا (وطبعا من قبلها أمريكا) مثل "محاربة الإرهاب" و "الدفاع عن حقوق الإنسان" هي شعارات مخادعة ومضللة، تروّجها الآلة الإعلامية الغربية للتغطية على أطماع وجرائم الإمبريالية بحق شعوب العالم الثالث؛ فلو كانت الدول الغربية صادقة في إدعائها الدفاع عن حقوق الإنسان، لما تواطأت مع إسرائيل، التي لا تنتهك حقوق الإنسان وحسب؛ بل وتقتله يوميا وبدم بارد، ولو كانت تسعى فعلا لوقف التطرف والإرهاب لأدانت ممارسات المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة.

ولكن هذا يعني في المقابل أن مقولة "الحرب على الإسلام" وغيرها من الشعارات، هي في حقيقة الأمر شعارات غير دقيقة، ومضللة أيضا، ويُراد منها تسويق مفاهيم أيديولوجية وسياسية معينة تخدم أهداف حركات الإسلام السياسي.

وإلا كيف نفهم مساعدة فرنسا وتأييد أمريكا الواضح للأنظمة الإسلامية التي صعدت للحكم في كل من تونس ومصر وليبيا، وهي حكومات تعرّف عن نفسها بأنها إسلامية، وتعلن نيتها تطبيق الشريعة !! ولماذا ستأخذ فرنسا موقفا أيديولوجيا مغايرا في مالي ؟!  فهل إسلام الحركات الجهادية في مالي مختلف عن إسلام الإخوان المسلمين في مصر وتونس ؟؟ وهل صحيح أن فرنسا تشن حربها لمنع "تطبيق الشريعة" في مالي لأن تطبيقها يتعارض مع حقوق الإنسان، وفرنسا هي الحامية الأولى لحقوق الإنسان في العالم ؟! فلماذا لا تشن حربها على السعودية مثلا، أو على دول الربيع العربي التي تعمل على تطبيق الشريعة ؟!

إذا كان إسلام الملك "منسى الأول" (الذي احتاج اثنا عشر ألف عبد ليحملوا هداياه التي فاضت عن حاجته) هو الإسلام الصحيح، فهل إسلام تنظيم القاعدة وجماعة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد هو أيضا الإسلام الصحيح ؟ الذي لم نرى منه سوى تدمير الأضرحة الصوفية والعتبات الدينية المدرجة على لائحة التراث العالمي، وهل إسلام هذه الجماعات هو الذي أثار غيظ فرنسا، ودفعها لتحريك أساطيلها ؟؟ أم أن الموضوع لا علاقة له بالإسلام ؟ وهو بالنسبة لفرنسا عبارة عن عمليات نهب لثروات الشعوب والاعتداء عليها تحت ذرائع مختلفة، واستمرار للحقبة الاستعمارية بعناوين جديدة. وبالنسبة لأطراف الصراع المحلية (المالية) هو اقتتال على السلطة ومناطق النفوذ، تحت شعارات الجهاد المقدس، أو الشرعية.

ونلاحظ أنه إذا قَتلت فرنسا بعض المسلمين (وهي بالتأكيد جريمة مُدانة) يثور البعض (وهذا حقهم) ويصوّرون المسألة على أنها حرب صليبية على المسلمين .. لكنهم لا يستنكرون مقتل آلاف المسلمين على أيدي الجماعات الجهادية نفسها، حيث أن 90% من شعب مالي هم مسلمين، ما يعني أن القاتل والمقتول في هذا الصراع المحتدم منذ سنوات هم من نفس الطائفة !

ونفس المشكلة تتكرر عندما يعتدي (الكفار) على مقابر المسلمين أو مساجدهم أو مقدساتهم تقوم الدنيا ولا تقعد، ولكن لا أحد يتحدث عن عشرات المساجد السنية التي دمرها شيعة، وعن عشرات المساجد الشيعية والحسينيات التي فجّرها سُنّة، ولا عن مئات الآلاف من المسلمين الذين قُتلوا أو شُردوا وهُدمت بيوتهم في المناطق التي ابتليت بالفتنة الطائفية، وما أكثرها.

خارطة الصراع

تشكل صحراء مالي (وهي امتداد للصحراء الكبرى) القسم الأكبر من مساحة مالي، وتحتل القسم الشمالي من البلاد، وتسكنها الطوارق إلى جانب قبائل عربية، وأخرى أفريقية، فيما يتركز غالبية السكان في الوسط والجنوب الذي يضم العاصمة والمدن الكبرى حيث يمر نهري النيجر والسنغال، لكن أغلب ثروات مالي من الذهب واليورانيوم والمياه الجوفية تقع في القسم الذي يضم أقاليم تمبكتو وكيدال وغاو (أزواد).

في بداية الأزمة استولى الطوارق بقيادة "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" الانفصالية على شمال البلاد بالتحالف مع "جماعة أنصار الدين" الإسلامية. الطوارق استفادوا حينها من فوضى الحرب في ليبيا، فعادوا إلى بلدانهم في النيجر ومالي على متن سيارات عسكرية مدججين بما غنموه من أسلحة خلال انخراطهم في صفوف قوات القذافي.
لكن تحالف الانفصالي الوطني والإسلامي الجهادي لم يدم طويلا. فقد نشب قتال عنيف بين الطرفين أدى إلى سيطرة "جماعة أنصار الدين" وحلفائها على كافة مناطق شمال البلاد.

أطراف عديدة دخلت على خط الصراع المحتدم في مالي جعلت من قراءة خارطتها مسألة بالغة التعقيد والصعوبة؛ حيث تتداخل الأيديولوجية مع السياسة، وتتشابك الأطماع الإقليمية مع مصالح الدول الكبرى، وتتقاطع مطالب الانفصال والاستقلال مع دعوات تطبيق الشريعة، وتظهر جليا أعمال النهب والتهريب والمغامرات الشخصية، وحيث نجد قيادات امتهنت القتال وجعلت منه حرفتها ومصدر رزقها، أو مبرر وجودها؛ على سبيل المثال هناك الزعيم "إياد غالي" وهو من القيادات القبلية لقبائل الطوارق، يُقال أنه كان عضوا في الجبهة الشعبية - القيادة العامة.  إلا أن بيان صادر عن الحركة الوطنية لتحرير أزواد اتهمه بالخيانة والتسبب بمقتل الآلاف من القرويين، والتبعية للقذافي، والعمل لصالح الحكومة المالية،  وهناك تقارير إخبارية تفيد بأنه كان يقود تمرد طوارقي في بداية تسعينات القرن الماضي يطالب بالانفصال عن مالي، وكان حينها يحمل فكرا وطنيا يساريا، إلا أن الحكومة المركزية في مالي عينته قنصلا لها في السعودية، الأمر الذي جعله يتحول نحو الفكر الوهابي السلفي المتشدد.

وهناك مختار بلمختار، الذي يُكنّى بالأعور لأنه فقد عينه في أفغانستان، أو باسم "السيد مارلبورو" نظرا لنشاطه في مجال التهريب في المنطقة.  وبلال الطارقي أحد زعامات حركة أزواد العربية الذي هرب مع نحو  8 آلاف من مرتزقة القذافي بسياراتهم وأسلحتهم وعتادهم بعد سقوط النظام، فانضموا للمتمردين. وهناك حركة أنصار الدين التي تحوي ليبيين وطوارق وموريتانيين وسودانيين ومغاربة وتوانسة ومغامرين من النيجر وتشاد والسنغال.   دون أن ننسى تنظيم القاعدة وحربه الكونية ضد معسكر الشر. وهؤلاء من كل قُطرٍ ولون، يتنقلون بين جبهات القتال من أفغانستان إلى الشيشان والبوسنة والعراق والصومال وغيرها من بلاد الله الواسعة.

وهناك قبائل الطوارق المنتشرين في دول المنطقة، ويبحثون عن وطن ودولة منذ عقود، تماما مثل الأكراد. وهؤلاء تمثلهم أكثر من جهة، ويتحدث باسمهم أكثر من زعيم .. وجبهتهم الوطنية لتحرير أزواد شهدت أكثر من انشقاق، أهمها حركة أنصار الدين. تماما كما انشقت حركة التوحيد والجهاد، وحركة أبناء الصحراء للعدالة الإسلامية عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، رغم أن القاعدة تفرض نفسها وصيا روحيا عليهم، باعتبارها صاحبة قصب السبق في إدخال الدعوة السلفية الجهادية إلى المنطقة؛ ويبدو أن التطرف الديني في هذه المنطقة المضطربة هو أسهل الطرق وأقصرها لتحقيق الزعامة وتوسعة مناطق النفوذ، خاصة في ظل تنامي الدعوات الجهادية ومحاربة قوى الاستكبار العالمي.

ولإعطاء فكرة عن الصراع المحتدم بين الأطراف المالية نفسها، لنلق نظرة على بيان صادر عن الحركة الوطنية لتحرير أزواد، جاء فيه: "إن الطوارق ليسوا بحاجة لمرتزقة وجواسيس من دول دأبت على المتاجرة بمحاربة الإرهاب مع إدارة بوش لاستهداف معارضيها وانتهاك حقوق الإنسان، لكي يعلّموا شعبنا الذي ترعرعت أجياله كابر عن كابر على تعاليم الإسلام، ولسنا بحاجة لاستيراد القعقاع الشنقيطي وبن لعور الجزائري وغيرهم من شذاذ الآفاق ليبينوا للناس أمور دينهم، وبالتالي فإن هذه الجماعات الإجرامية: القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة الجهاد والتوحيد، وحركة أنصار الدين التي فتحت لهم أبواب أزواد على مصراعيها ليعيثوا في الأرض فساد ويحرقوا الحرث والنسل هي جماعات إجرامية تحركها أجهزة مخابرات دول تريد السيطرة على الثروات النفطية لأزواد، بجلب تدخل دولي على غرار أفغانستان والعراق يلحق الأذى بشعبنا ويشرده، لتستولي شركة سونتراك الجزائرية وبعض الشركات المتعاقدة معها على نفط شعبنا وتعطي لإياد غالي وأتباعه من المال والسلطة ما يدوسون به على بقية قبائل أزواد".

وفي المقابل هناك حكومة مترهلة، وميليشيات عنصرية أسسها الرئيس السابق توماني توري معادية للطوارق تدعى حركة "غندغوي"، وهناك ضابط اسمه سانوغو تدرب في أمريكا وقاد انقلابا في العام الماضي،  واستنجد بالغرب لحماية نظامه. وهناك دول الجوار التي تخشى انهيار الدولة، وتتخوف من صوملة المنطقة أو أفغنتها، وانتقال عدوى الإرهاب والتفجيرات وخطف الأجانب إليها، أو تحولها إلى ميدان فسيح لعصابات التهريب، أو إلى بؤرة صراع دولي، وساحة صراع لأجهزة الاستخبارات الدولية، تحت ذريعة ما يسمى بالحرب على الإرهاب، خاصة وأن معظم نفط وغاز إفريقيا مخزن تحت ترابها. وفي هذا تهديد لأمن أفريقيا والأمن الدولي على حد سواء، ما يعني أن القضية تتجاوز مسألة المطالبة بإنشاء كيانٍ أزوادي مستقل، لتعني في نهاية المطاف تغيير قواعد اللعبة الإقليمية والدولية.

وربما لهذا السبب هرعت فرنسا للتدخل السريع، حتى أنها لم تنتظر التدخل العسكري الموعود للدول الأفريقية؛ ولتبرير ذلك ساقت حجة تقدّم خطير للإسلاميين نحو العاصمة باماكو على نحو يهددُ بإنهاء دولة مالي وتحويلها إلى أرض من الفوضى لا تماثلها إلا تلك في الصومال. خاصة وأن جيش مالي يعاني من ضعف هيكلي تاريخي، ومن تضعضع بنيوي منذ انقلاب سانوغو في آذار 2012، وهو غير قادر على الصمود أمام ضربات الجهاديين القادمين من كل حدب وصوب.

ومن المعلوم أن لفرنسا تاريخا من العلاقات مع هذه المنطقة منذ زمن الحقبة الاستعمارية، ولكونها تمتلك مصالح اقتصادية حيوية في غرب أفريقيا، سواء في مالي أو في النيجر، حيث توجد مناجم اليورانيوم التي تزوّد المفاعلات النووية الفرنسية المولّدة للكهرباء بثلت حاجاتها. وفرنسا تتولى أمر مالي بالنيابة عن الغرب كونها الوحيدة التي تمتلك، من بين الدول الكبرى، قواعد وتشكيلات عسكرية في المنطقة جاهزة لتدخل عاجل وسريع.

وفي ساحة مهمة كهذه لا يمكن لأمريكا أن تغيب؛ فمثلا مساعد وزير الطاقة الأسبق "جورج بيرسُن" كان قد صرّح بأنه "لا يمكن للعلاقات الأميركية-الإفريقية إلا وأن تصبح أوثق في المستقبل؛ نظراً لكون كل برميل نفط واحد من خمسة براميل تستهلكها الولايات المتحدة في العقود القليلة القادمة سيكون من إفريقيا"، ومعلوم أن الولايات المتحدة تستورد حوالي 8 % من جميع وارداتها البترولية من نيجيريا و7 % منها من أنغولا، إلى جانب الغاز الطبيعي والمسال.

ولا شك أن القيمة الجيوسياسية لإفريقيا، تشكل عنصراً حيوياً في السياسة الخارجية الأمريكية. لذا تسعى واشنطن لإقامة تحالفات عسكرية واقتصادية مع الدول الإفريقية، وترعى قيام منظمات دولية وغير حكومية في القارة السمراء تحت مسميات إدارة الأزمات والكوارث وتقديم المساعدات الإنسانية، وأيضا تقديم الدعم الفني والتدريب للجيوش وتسليحها، إلى درجة تنصيب رؤساء الأركان في الجيوش الإفريقية. كل هذا بهدف السيطرة على مناطق النفوذ التقليدية للدول الاستعمارية السابقة لا سيما فرنسا. وهذا يعني أن الإستراتيجية الأميركية في إفريقيا تعتمد - بالإضافة إلى ما تقدم - على الوصول غير المحدود إلى الأسواق الأساسية ومصادر الطاقة وغيرها من الموارد الإستراتيجية، وهذا يتطلب تأمين سلامة طرق المواصلات بالقوة العسكرية، وتسهيل إيصال المواد الأولية إلى الولايات المتحدة. وقبل ذلك، فرض رؤيتها السياسية بكافة الوسائل. وفي تصريح للرئيس السابق "جورج بوش" خلال جولته الإفريقية عام 2003 قال: "لن ندع الإرهابيين يهددون الشعوب الإفريقية أو استخدام إفريقيا قاعدة لتهديد العالم"، ومن بعدها سارعت دول المنطقة إلى رفع شعار مكافحة الإرهاب وتجسيده في سياساتها الداخلية والخارجية، في محاولة منها للحصول على المساعدات والرضا الأمريكي. وفيما يتعلق بمالي، فقد قامت الولايات المتحدة بمنح معدات وتجهيزات للجيش المالي وأشرفت على تدريبه وإعادة تأهيله، ولكن على ما يبدو أن رهانها على الجيش لم يكن في محله، ومع ذلك فأمريكا تراقب عن كثب وباهتمام.

خاتمة

تظل مسألة انفصال أزواد عن مالي، وطبيعة نظام الحكم الذي يرتضيه الشعب هناك شأن داخلي، وليس لنا إلا أن نحترم إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وأن ندعم نضالها المشروع ضد أي غزو أجنبي مهما كانت المسميات التي يتحجج بها .. وأن ندعم أيضا كفاحهم العادل في مواجهة القوى التي تعبث بأمنهم الداخلي، وتشيع الإرهاب في البلاد مهما كانت الشعارات التي تختبئ خلفها ..

وبالنسبة لفرنسا فإن دخول الحمّام ليس مثل الخروج منه، وعلى ما يبدو أن الصحراء الإفريقية ستبتلع أطماعهم، والضحايا المدنيين سيفضحون زيف شعاراتهم .. ولكن القصة لا تزال في بداياتها؛ ورب ضارة نافعة ... فهذه الدماء التي تسيل هناك لا بد أن تنبّه العالم وتعيد لذاكرته أن ثمة قارة منسية اسمها إفريقيا، وقع عليها مقدار هائل من الظلم، وأنها ما زالت أسيرة الحروب الطائفية والقبلية وحقول الألغام، وأسيرة لأمراء الحرب وتجار السلاح الذين أهلكوها خوفا ومرضا وبؤسا .. وأنه يموت فيها ثلاثون ألف جائع يوميا.

وإذا كان المجتمع الدولي – الذي أيد العدوان الفرنسي بدلا من إدانته – حريصا على مصالح الشعب المالي والشعوب الإفريقية بشكل عام؛ فعليه البدء فورا بتنفيذ برنامج عالمي لإنقاذ القارة السمراء من براثن الفقر والتخلف والمرض، والتوقف عن دعم كافة أشكال الحرب مرة أخيرة وإلى الأبد.

أما فيما يتعلق بمجاهدي القاعدة .. فإن السؤال المطروح: كيف نفهم أنكم طفتم المعمورة من أقصاها إلى أقصاها، ولم تتركوا جبهة صراع إلا ودخلتموها .. ونسيتم تماما أن هناك بلادا محتلة اسمها فلسطين !! وأنكم لم تطلقوا رصاصة واحدة ضد الجيش الإسرائيلي !! حتى أنكم حين وصلتم تخوم فلسطين، وأقمتم في صحراء سيناء قاتلتم الجيش المصري !!

الهوامش


   أغنى رجل في التاريخ.. عاش في مالي قبل 700 عام، مجلة أقلام، السبت 20 أكتوبر 2012، http://www.aqlame.com/article10467.html
    ناصر اللحام، مالي وأنا مالي، وكالة معاً الإخبارية، 20-1-2013،
http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=556909
   http://www.amazighworld.org/arabic/human_rights/index_show.php?id=2849
   مختار بلمختار: رحلة في عالم التهريب و"الجهاد"، BBc عربي 17-1-2013 http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/01/130117_algeria_belmokhtar_profile.shtml
   إرهابيون مغاربة يقاتلون في صفوف التوحيد والجهاد والقاعدة بمالي، ناظور سيتي، http://www.nadorcity.com/a16469.html
   أزواد بين خيانات إياد أغ غالي وطموح المشروع الوطني، 13-9-2012  world  Amazigh http://www.amazighworld.org/arabic/human_rights/index_show.php?id=2849
   مجلة فورين بوليسي FB  Was the Mali coup leader trained in the U.S.?
http://blog.foreignpolicy.com/posts/2012/03/23/was_the_mali_coup_leader_trained_in_the_us?wp_login_redirect=0

   محمد قواص ، ماذا لو أدت الحرب ضد الصوملة إلى رواج الأفغنة؟ 17-1-2013 العرب أون لاين http://www.alarabonline.org/index.asp?fname

1 التعليقات:

Shaimaa Al-Mahdy يقول...

هل تريد ان تتعلم كيفية تسويق منتجاتك وخدماتك بكل سهوله لجميع دول العالم بواسطة جوجل آدورد Google Adwordفي ليبيا بدون سفر من بلدك ؟

يمكنك ان تتعلم كل هذا واكثر مع خبراء التسويق الالكترونى والتجارة الالكترونية في العالم العربي
المهندس / خالد محمد خالد
المهندس / عبدالرازق محمد خالد
مواعيد الدبلومات
تبدأ الدبلومة فى مدينة بنغازى يوم السبت 2 فبراير 2013
تبدأ الدبلومة فى العاصمة طرابلس يوم السبت 26 يناير 2013
اتصل بنا رقم موبايل: 0917241626 - 0916121599

http://www.ect2all.org/strategy.html

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار