أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

حكمة اليوم

اشترك في القائمة البريدية

ادخل بريدك الالكتروني

ابحث

يوليو 18، 2010

أسئلة تُنقِّب في أعماق الإنسان

في مدونته حاول الصديق "أحمد عزم" التنقيب في جذور النفس الإنسانية، واصفاً الإنسان بكتلة من المشاعر المتناقضة والقاهرة، العاقلة حينا والعمياء أحيانا، حيث تتجلى مشاعر البرد والخوف والرجفة والحيرة، وتساءل في مقالته الشيقة عن جدوى البحث فيما راكمته الأساطير والأديان عن تفسيرات متباينة لأبسط مشاعر الإنسان وعن محاولاتها التوصل للحقيقة. واختتم بسؤال مفتوح على المدى: كم نحتاج للتنقيب في آلاف السنين وملايين البشر والخبرات لنفهم أنفسنا، ولنحكم عليها .. ونحدد لها ما يجب تحديده ؟! الإجابة حتما لا تعوزها الوصفات القانونية، والأخلاقية، والدينية الجاهزة.


تتضاءل أهمية الزمان عند الإجابة على هذا السؤال، فبعد أن غادر الإنسان الغابة في غابر التاريخ، احتاج مليوناً ونصف المليون سنة ليكتشف النار، وبعد أن سنَّ رماحه من العظام والصخور احتاج لنصف مليون سنة أخرى حتى توصل للقلم، وفي الخمسة آلاف سنة الأخيرة أي بعد ولوجه طور الحضارة طرح على نفسه سؤاله الإشكالي والأهم عن جدوى الحياة ومعناها وقيمتها، دون أن يجد إجابة، فكم سنة أخرى سيحتاج قبل أن يهتدي للحقيقة ؟!

قد يبدو السؤال بسيطا وبديهيا، ولكن أصحاب العقول وأصحاب القلوب هم من يعذبهم السؤال ومن تؤرقهم الإجابات أكثر، فقلة من الناس من تمتلك الشجاعة لتواجه نفسها بعيدا عن القيود الثقافية والدينية، ليس لخوف يسكنها ولكن بسبب قسوة السؤال والخوف من الإجابة التي قد تتعارض مع ما نشأ عليه.

الإنسان منذ أن خُلق وهو معذَّب، وكلما تقدمت به الحضارة ازداد ألمه وبؤسه، الحروب والمجاعات والأوبئة عناوين ثابتة رافقته في مسيرة شقائه، 25 ألف إنسان يموتون يوميا من الجوع وأمراض سوء التغذية، فقر وبطالة وعوز، مشردون بلا مأوى ومهجرون بلا وطن، شباب بلا طموح، وشيوخ بلا رعاية، أطفال في الشوارع، أرامل بلا بيوت، شعوب تضطهد بعضها، عبودية واحتلال وتمييز عنصري، ظلم وظلام وقتل بلا ذنب ... لماذا اقترن الإنسان بكل هذه الويلات ؟ ومن المسؤول عن كل هذا الخراب ؟!

لو وضعنا كل هذه العناوين جانبا - التي لم يخلُ منها زمان ولم ينجُ منها بلد – وأخذنا إنسانا عاديا في مكان عادي هل سنجده سعيدا ؟! أي لو طرحنا سؤالنا الإشكالي على نحو مختلف بعد أن نعزل الإنسان عن ظروفه الموضوعية، هل سنجد أن مبعث السعادة وفهم قيمة الحياة يتطلب شرطا ذاتيا لا أكثر ولا أقل ؟!

الإجابة هذه المرة تتطلب عودة إلى الزمان الأول، حين بدأ الإنسان مغامرته بتقنيات حجرية وأفكار بدائية عن الكون والحياة، وكانت تقنياته تلك لتلبية حاجاته اليومية، وأفكاره الدينية استجابة للانفعالات العاطفية التي ظلت تجتاحه في عزلته، أو هي توسلات لقوى ما ورائية تسمو عليه، أو إجابات فطرية على أسئلة وجودية كلية، تطورت ونمت حتى شكلت فيما بعد النواة الصلبة للدين، بنفس المسار الذي تطور حَجَرُه إلى الحاسوب، أي أن كل ارتقاء فكري أو مادي سلكه فيما بعد إنما كان تطورا لما بدأه قبل مليون عام، وكما سعت التكنولوجيا لتسهيل حياة الإنسان، حاولت الأديان أن تطفئ ظمأه الأزلي للمعرفة، وأن تمنحه اليقين والسكينة في واحة من الأمان الأبدي. ولكن إلا أي مدى نجحتا ( التقانة والدين ) في مسعاهما هذا ؟!

أقامت الديانات السماوية بنيانها الفكري والعقائدي على أن الله سبحانه هو الخالق والمهيمن والمدبر، لذلك دعت لتوحيد الذات الإلهية وسعت لتحقيق سعادة الإنسان وتهذيب آدميته وتقويم سلوكه من خلال الربط بين الإنسان وخالقه وحاجته إليه، وركزت على مفهوم العقاب والثواب والحياة الآخرة، ولكن السلطة ورجال الدين حوّلوا تلك الديانات السمحة إلى أصوليات وعصبيات، وكفروا كل من خالفهم، وصار الدين مجرد هوية عنصرية طائفية لا تُبعد أتباعها عن أتباع الديانات أو الطوائف الأخرى وحسب، بل جعلت من هذا البُعد سببا وذريعة لحروب طاحنة، فقضوا على الروح الحيوية الخلاقة لمبادئ الدين السامية، وزرعوا بقراءاتهم المغلوطة بدلا منها الشر والحقد في كل مكان.

الديانات الأخرى التي تركزت في وسط وشرق آسيا، صبت اهتمامها على الذات البشرية، فرأى مؤسسوها أن سعادة الإنسان تنبع من داخله، وحتى ينولها عليه أن يتخلى عن شهواته وأنانيته ويقضي على بذور الشر فيها، عندها سيستطيع أن يتحد مع الإله وينال السعادة الأبدية، فالجنة والنار حسب هذه الديانات هي في داخل الإنسان وليستا خارجه. ولكن الإنسان في تلك البقاع ليس أفضل حالا من غيرها، فقد ظلت تلك المبادئ الإنسانية متعالية على الواقع وظل الإنسان مغتربا ومعذبا.

شهد القرن السادس قبل الميلاد الإرهاصات الأولى لتلك الديانات، وقد مثلت تلك الحقبة ذروة النشاط الإنساني الفكري ولا أعرف سببا يفسر تلك الظاهرة، لكن هذا ليس موضوعنا، فقد ظهر في تلك الآونة زرادشت في إيران، وكل من كونفوشيوس ولاوتسي في الصين وبوذا في شمال الهند، وفيثاغورس في اليونان ثم تبعه سقراط وأفلاطون، أما في بلاد الشام وأرض الرافدين فقد كانت تلك الحقبة مسرحا لصراعات البابليين والفرس والتي انتهت بجلب المسبيين من بابل إلى القدس ليؤسسوا وبأمر من كورش الفارسي الديانة اليهودية الجديدة.

كل هؤلاء المبشرين والمصلحين وحتى المدعين - باستثناء اليهودية الجديدة التي جاءت على خلفية صراعات سياسية كبرى – شقّوا لأنفسهم فلسفات دينية وأخلاقية لا ترتكز على وجود إله، أو أن الإله كان ثانويا، فالبوذية مثلا لم تكن معنية بالإجابة على سؤال من خلق الكون ؟ وكيف ؟ وركزت عوضا عن ذلك على تخليص الروح من عالم لا يحمل إلا الشقاء والمعاناة، وفي مسعاها هذا لا تستعين بأي إله، أو بأي كائن ميتافيزيقي، بل بالاعتماد على قوة الإنسان الداخلية وحدها، والهندوسية - التي انشقت عنها البوذية – تكاد تخلو من قواعد التحريم والتحليل والعقاب والثواب، فهي أقرب أن تكون فلسفة حياة موجهة نحو الذات البشرية تسعى إلى تحريرها من أثقال الحياة والمادة والشهوات وصولا للاتحاد مع الذات الكونية. الديانات الأخرى التي انبثقت عنها اعتبرت أن التأمل أفضل وسيلة لمعرفة الحقيقة وتنقية الذات وإحلال السلام الداخلي في قلب الإنسان تمهيدا لمرحلة الاستنارة، ورأت أن إطلاق الطاقات الروحية والعقلية للإنسان وتوجيهها نحو الطريق الصحيح هو الذي يعطيه شحنة علوية تمكنه من التوحد والانسياب التلقائي مع الطبيعة، فيتقبل عمل الطبيعة كما هو دون اعتراض، حيث اعتبرت أن الطبيعة هي التي تحرر الإنسان من أنانيته وتسمو به إلى آفاق روحانية عليا، وكلما ابتعد عن الطبيعة أو آذاها كلما زاد شقاؤه وابتعد عن إنسانيته.

إذن، فالأديان جميعها المنـزلة والأرضية عرّفت الإنسان وغايات وجوده وأسباب سعادته وسعت لتخليصه من كل الشرور، ولكن الإنسان ومنذ الثورة الصناعية أخذ منحى آخر، أراد أن يحل مكان الخالق، فانتهى به المطاف أن حلت الآلة مكانه، حَلم هذا الإنسان أنه سيتمكن بواسطة المادة وما شكّل بواسطتها من اختراعات أن يصبح سيد الطبيعة والمتحكم فيها، فقاده جشعه للتحكم بالشعوب الأخرى وسحقها، كان الرجل الأبيض بطل هذه المغامرة، فسمّى انتصاره على الشعوب المقهورة تقدما وحضارة !!

مع أن أبرز منظري الرأسمالية "آدم سميث" ادعى بأن المنفعة العامة هي حصيلة المنافع الشخصية، إلا أن التقدم التكنولوجي أدى إلى طرد الإنسان من خطوط الإنتاج، وجعل منه زائدة لحمية لا حاجة لها في نظام المسننات والآلات الرقمية، ومع زيادة الأتمتة تفاقمت البطالة وتضخم الإنتاج ومعه تضخمت الطبقات الثرية وازدادت الفجوة بين الطبقات اتساعا، فنشأ في قلب هذا النظام المتوحش طبقات من المسحوقين والبؤساء، ومن ناحية ثانية أدى تصادم المصالح بين القوى الرأسمالية إلى حروب عالمية ومحلية كانت شعوب العالم الثالث حطبها ووقودها، ومرة ثانية وباسم الحضارة اقترف هذا الغرب المتحضر أكبر الجرائم وأبشعها، بدءًا بتجارة الرقيق وإبادة الهنود في أمريكا، إلى هيروشيما وصولا إلى فلسطين والعراق.

الشيوعية التي قامت على الفلسفة المادية ووعدت شعوبها بيوتوبيا أينما حلت وانتصرت، سرعان ما تحولت إلى ديكتاتورية انتهت بزلزال سماوي سقط من عليائها النموذج الاشتراكي وربما إلى غير رجعة، والغرب الذي حاول أن يحل محل الله بآلاته وحواسيبه قد انتهى به المطاف إلى تصحُّر إنسانه وجفاف علاقاته الاجتماعية وتحوله إلى منتج ومستهلك، أما إفريقيا التي غادرها الداعون إلى الله منذ زمن وتركوها للعصابات والمجاعات والقراصنة، فهي لا تعاني من وفرة الإنتاج وتداعيات الأتمتة وتعقد التكنولوجيا، إنما تعاني من الجماعات المسلحة التي كلما كان اسمها أجمل كانت ممارستها أفظع وأبشع.

يقولون أن شعب اليابان ربما يكون الأكثر سعادة بين شعوب الأرض، ذلك لأنه تخلى عن إلهه بعد أن وقع صك الاستسلام، فجعل الدين من خلفه وانطلق نحو المستقبل، حسنا هذا كلام جميل، ولكن من يضمن لنا سعادة الإنسان هناك في ظل نظام لا يعرف الراحة ولا يجد وقتا للتأمل ؟ إذن، أين هي سعادة الإنسان ؟ وأين هو النظام الذي عبر عن قيمته ؟
يقولون أيضا أن الفن هو التعبير الحقيقي عن دواخل الإنسان وعن دوافعه أيضا، ولكن حتى يكون كذلك يجب أن يتسم بالقداسة والإبداع، وإلا أصبح مجرد وسيلة للكسب،

ويقولون أن الحب هو سر الإنسان ومعناه وجوهره، باعتباره علاقة روحانية لا تعبر عن متعة الجسد فقط بل وعن متعة العقل والروح أيضا. ومما قيل إنّ ابن عربي، الصوفي الأندلسي، جرؤ على القول: إن الله يتجلى في كل معشوق لعاشقه.

الإسلام اعتبر جهاد النفس أعلى مراتب الجهاد، وأصعبها، لأنه يتطلب مواجهة شجاعة وصادقة مع الذات وضبط لغرائزها البدائية، ولكن هذا لا يعني أبدا كبت لحرية الإنسان، فلا قيمة للإنسان بدون حرية، ولا حرية بدون حرية الفكر .. قد يكون التفكير سببا لسعادة الإنسان أو شقائه، ولكنه يظل أبدا قرينا له وسمة أساسية تميزه عن سائر المخلوقات.

الإنسان لن يتحرر من أسئلته ولن يتخلص من عذاباته، طالما هو إنسان .. ويفكر .. ويختبر سبل الحياة، لكنه قد يجد ضالته في أبسط الأشياء، وقد يعثر على سعادته حيث لا يتوقع .. من تعب من التفكير فليبحث عن الإيمان، ومن كان في قلبه شك فليدعو الخالق أن يعطيه اليقين بوجوده !!

نحتاج أن ننعزل مع ذاتنا وأن نسبر أغوارها لنفهم أنفسنا أكثر .. لنغسلها من آثامها .. ونحررها من قيودها .. وننطلق بها في فضاءات رحبة .. في عوالم لا تعرف إلا الحب والموسيقى والجمال .. لنعيش بسلام وانسجام .. حيث السعادة الأبدية ..

أتمنى أن أكون على صواب ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

الكاتب

م. عبد الغني سلامه

فلسطين

أحدث الادراجات

كاريكاتير اليوم

احصاءات العالم

احصاءات العالم

عدد الزوار