أهلا بكم

على هذه الصفحة نثير التساؤلات ،، ونفكر ،، ولا نعرف حدوداً للتوقف

آخر الأخبار

أبريل 23، 2020

صعود وأفول الحضارة العربية الإسلامية


الحضارة في اللغة هي عكس البداوة، وهي نظام اجتماعي سياسي يمكّن الإنسان من زيادة إنتاجه الثقافي، وتتألف الحضارة من عناصر أربعة رئيسة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية والإدارية، والقيم الروحية (وتشمل الدين والتراث والأخلاق)، والعلوم والفنون والمنتجات المادية (صناعة، زراعة، معمار، فلكلور..)؛ ويميز المفكر العراقي "خزعل الماجدي" الثقافة عن الحضارة عن المدنية؛ فالثقافة تكون خاصة بمجتمع معين في مرحلة محددة (تشمل العادات والقيم والأنماط السلوكية..)، أما الحضارة فهي مجموع ثقافات، وذات زمن أطول، بينما المدنية هي الحضارة الأوسع العابرة للشعوب والحضارات والتي تنتشر في العالم كلّه.

والحضارة مرتبطة بالكتابة حصراً، ولذلك لا يمكن أن نطلق على الشعوب البدائية صفة حضارة.. فالحضارة تتكون من مكونات مادية ومعنوية؛ أهمها: الأرض، التاريخ، النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الدين، الثقافة، العلوم، الفنون، المعمار، الأخلاق، وإذا حدث اختلال بالميزان بين المكونات المادية والروحية تختل الحضارة، والأخلاق هي التي توازنها. حيث تتجانس العناصر المادية مع العناصر المعنوية، السياسة ينظمها القانون، والجانب العسكري يقابله الجانب التربوي، والجانب الاقتصادي يجب أن يتوازن مع الثقافي، والاجتماعي يجب أن يتناسب مع السيكولوجي.. فالطاقة المادية يقابلها دائماً طاقة روحية.

الحضارة الإنسانية الحالية ساهمت فيها وأنتجتها كل الشعوب قديما وحديثا؛ في عصور ما قبل التاريخ تحققت أهم المنجزات التي بنيت عليها الحضارات اللاحقة: اكتشاف اللغة، والنار، والبيت، والأدوات، والموسيقى، والزوارق.. وهي منجزات بشرية لا تخص شعبا معينا.. وفي العصور القديمة المتقدمة اهتدى الإنسان للزراعة، والأديان، والأساطير، واخترع الكتابة، وصهر المعادن، وصنع العجلة، وأنتج الأسرة والقبيلة..

وبما أن الحضارات تتعاقب وتراكم إنجازاتها؛ قسّم "الماجدي" العصور التاريخية إلى ثلاث حقب رئيسة متتالية: القديمة والوسطى والحديثة، ولكل مرحلة سماتها ومحركها؛ القديمة كانت ذات طابع قومي، وظهرت فيها الأديان التعددية، وكانت محركها، بالإضافة للمثيولوجيا والحروب. في الوسطى ظهرت الأديان التوحيدية وصارت هي المحرك، وصارت أكثر شمولية. الحضارة الحديثة أصبحت محركاتها الطاقة والتكنولوجيا والعلوم، وهي ذات صبغة مادية، بدأت بعصر النهضة، واستمرت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت تظهر مؤشرات الانتقال إلى عصر العولمة، وهي في طريقها لتتحول من حضارة حديثة إلى مدنية حديثة تشمل العالم كله، وتصبح أكثر أخلاقية، وهذه المدنية ستستوعب الثقافات الخاصة بالشعوب، ولن تلغيها كليا.

وبقول آخر: مفهوم الحضارة نفسه توقف الآن، لصالح حضارات إنسانية متعايشة تسمى الحضارة الإنسانية، أو المدنية الشاملة (Global civilization)، أي أن زمن سيطرة حضارة معينة على محيطها الجغرافي وهيمنتها عليه ثقافيا، قد ولى، فقديما كانت توجد في المرحلة التاريخية الواحدة حضارة واحدة أو اثنتين، وبعد أن تتراجع تظهر على أنقاضها حضارة جديدة، وهكذا، اليوم بدأت الحضارات تنصهر وتنسكب في سلة الحضارة الإنسانية (التي من الخطأ تسميتها بالحضارة الغربية)، ففي هذه الحضارة أثر من كل الحضارات السابقة، وهنا ستعمل كل دولة على الاندماج في هذه المدنية.. وستشهد مزيدا من انزياحات وتراجع المركز الغربي لتلك المدنية. سمات هذه المدنية: اقتصاد معولم، ثورة الاتصالات، تكنولوجيا متطورة، صناعات عالمية، سوق عالمي مفتوح. وسيكون للأديان دورا في إحداث توازن روحي وأخلاقي مع الجانب المادي.. ولكن هذا الدور لن يقتصر على الأديان، فالأخلاق تنتجها أيضا القوانين والأعراف والضوابط المدنية.

وضع "الماجدي" مجموعة من المشكلات والحلول للعناصر الحضارية، ففي العنصر السياسي تكمن المشكلة في وجود الأنظمة الثيوقراطية أو الدكتاتورية أو العشائرية (تأليه وتقديس السلطة المستبدة، وسحق الفردانية)، والحل في تبني الديموقراطية التعددية، ومشكلة العنصر الثقافي تكمن في تابعية الثقافة للأيديولوجية السياسية أو الدينية، والحل يكمن في حرية الثقافة وعدم تبعيتها للدولة، ومشكلة العنصر الديني تكمن في تحويل الدين إلى نهج وحيد لتنظيم شؤون الحياة، والحل يكمن في سير الحياة وفقا للقانون والمساواة والتعددية والعمل والإنتاج.

وسط ذلك كله، السؤال المطروح: ما مصير الحضارة الإسلامية؟

يتوجب بداية التفريق بين الدين والحضارة؛ الدين الإسلامي ظهر في أوائل القرن السابع الميلادي، في الحجاز، بينما الحضارة الإسلامية ظهرت بعد ذلك بقرنين على الأقل، وفي حواضر أخرى (بغداد، دمشق، القاهرة، الأندلس..)

بدأت معالم الحضارة العربية الإسلامية تتشكل بعد أن أخذت من حضارات الدول المفتوحة نظمها الإدارية، وهندستها ومعمارها وفلسفتها.. ثم أعادت إنتاجها على يد كوكبة من العلماء والفلاسفة والأدباء والفنانين المسلمين (بالمناسبة أغلبهم ليسوا من أصول عربية)، في ظل دولة الخلافة التي كانت في تلك المرحلة تشجع العلم، وتنعم بأجواء من الحرية والانفتاح، وتراخي قبضة الفقهاء.. وقد دام عصرها الذهبي ثلاثة قرون (800~1100 م)، وأسهمت بشكل فعال في حفظ التراث الإغريقي (من خلال الترجمة)، وإعادة إنتاجه من منظور إسلامي، وأحيانا علماني، كما ساهمت في تأسيس وتطوير علوم وفنون وفلسفات جديدة، في ميادين الطب والفلك والكيمياء والفلسفة، شكلت الأرضية التي قام عليها عصر النهضة..

بيد أن هذه الحضارة تراجعت سريعا، وتوقفت كليا منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وتحولت إلى مجرد تراث.. واستمرت في الأندلس لفترة أطول نسبيا..

السؤال الأهم: هل بوسع الحضارة العربية الإسلامية أن تعيد أمجادها، وتنهض من جديد، وتهيمن مرة ثانية، كما كانت مهيمنة على مناطق شاسعة من العالم؟

أظن أن الإيديولوجيات العروبية والإسلامية ستسارع بالإجابة بنعم كبيرة..

وأظن أن المسألة تتعدى الأماني والرغبات والكلام الإنشائي والشعارات المنمقة.. فهناك عقبات كبرى أمام هذا التحدي، أولها، أن العوامل التي أدت إلى انهيار تلك الحضارة ما زالت قائمة، بل أضيف إليها عوامل أخرى مستجدة.. والثانية تكمن في طبيعة المرحلة الكونية الحالية، والتي لا تسمح بهيمنة حضارة واحدة، والثالثة أن محركات نهوض الحضارة الحالية هي العلوم والتكنولوجيا، والعالم العربي في هذا الميدان غير مهيأ للمنافسة.. وثمة فجوة كبيرة بين واقعنا الحالي وبين العالم، وهذه الفجوة آخذة بالاتساع، ومع كل اتساع جديد نفقد فرصة أخرى للحاق بركب الحضارة الإنسانية، والمشكلة أننا لم نضع أرجلنا على السكة بعد..

وإذا تغلب العرب والمسلمون على هذه التحديات (وهذا يحتاج فترة طويلة، وشروط صعبة)، فإن أقصى ما يمكن تحقيقه هو الاندماج في الحضارة الإنسانية، والتحول من دور التابع والمستهلك إلى الشريك والمنتج، وهذا التحدي الأكبر..

وللموضوع تكملة..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق